تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
شرح
فإن قلت : قضيّة ما قرّرت سابقاً من كون الكلّي أمراً موجوداً في الخارج في ضمن الأشخاص أن يكون الكلّي متعدّداً بتعدّدها ، وهو مناف لما صرّحوا به من كونه أمراً واحداً بل هو خلاف البديهة ، ضرورة أنّ ماهيّة " الإنسان " أمر واحد ، وذلك لا ينطبق إلاّ على جعل الكلّي عبارة عن المفهوم المغاير للمصداق ، إذ لا يصلح للوحدة إلاّ المفهوم ، ومعه لا يمكن القول بعدم كونه مغايراً للمصداق لكونه متعدّداً . قلت : يردّه أوّلا : النقض بذلك المفهوم الّذي جعلته كلّيّاً مغايراً للمصداق ، لعدم انفكاكه عن التعدّد الناشي عن تعدّد العقول والأذهان ، نظراً إلى ما فسّرته بما حصل عند العقل . وثانياً : المنع عن اعتبار قولهم إذا خالف الحسّ والعيان ، فإنّه ليس بحجّة إلهيّة ولا نزل لبيانه آية كتابيّة ولا سنّة نبويّة . وثالثاً : مرادهم بالوحدة هنا إنّما هي الوحدة الذهنيّة بمعنى كونه واحداً في الذهن ولا ينافيها عروض التعدّد باعتبار الخارج ، إذ لا استحالة في وجود الكلّي بتمامه في ضمن كلّ فرد كما نشاهده في المتماثلين كالبياضين ، فإنّهما متعدّدان في الخارج باعتبار التشخّص وفي الذهن بعد إلقاء الخصوصيّة يصيران واحداً ، ولذا قالوا بامتناع اجتماع المثلين تعليلا بعدم إمكان اتّحادهما مع التشخّص ومع عدمه يرتفع التعدّد ويزول الإثنينيّة . أو أنّ المراد بها الوحدة النوعيّة أو الجنسيّة فلا ينافيها التعدّد باعتبار الأشخاص كما هو المصرّح به في كلامهم ، ويرشد إلى ذلك ما ذكروه في ردّ الاستدلال على عدم وجود الكلّي الطبيعي بلزوم اتّصاف شيء واحد بصفات متضادّة ، ووجوده في أمكنة متعدّدة وهو محال ، بأنّ ذلك إنّما يستحيل في أمر واحد شخصي كالجزئي الحقيقي ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لكونه واحداً بالنوع الغير المنافي لتعدّد أشخاصه ، فلا استحالة في اتّصافه بالصفات المتضادّة ووجوده في الأمكنة المتغايرة باعتبار ما يتضمّنه من تعدّد الأشخاص . وبما قرّرنا تبيّن حجّة القول بعدم وجود الكلّي الطبيعي مع دفعها ، وأمّا القول بالعينيّة فلم نعثر له على حجّة وهو لوضوح فساده أحرى بالإعراض عن التعرّض لإبطاله . وإذا تمهّدت تلك المقدّمة ، فاعلم : أنّه احتجّ أصحاب القول بتعلّق الأحكام بالأفراد دون الطبائع بأنّ الماهيّة يستحيل وجودها في الأعيان فيستحيل تعلّق الحكم بها . أمّا الأوّل : فلاستلزام وجودها كونها كلّيّاً وجزئيّاً ، فإنّها من حيث هي كلّي ومن حيث تشخّصها بالمشخّصات الخارجيّة - كما هو شأن كلّ موجود في الخارج - تصير جزئيّاً ، ويستحيل كون الشيء الواحد في حالة واحدة كلّيّاً وجزئيّاً لمكان التناقض .