تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
شرح
وأمّا الثاني : فلأنّ التكليف لابدّ وأن يتعلّق بالمقدور لئلاّ يلزم التكليف بما لا يطاق ، والماهيّة إذا امتنع وجودها غير مقدورة فلا تصلح لأن يتعلّق التكليف بها . وأُجيب : بأنّ الماهيّة قد تؤخذ بشرط أن يكون مع بعض العوارض كالإنسان بقيد الوحدة فلا يصدق على المتعدّد ، وبقيد هذا الشخص فلا يصدق على فرد آخر ويسمّى الماهيّة المحلوظة والماهيّة بشرط شيء ولا ريب في وجودها في الأعيان ، وقد تؤخذ بشرط التجرّد عن جميع العوارض وتسمّى الماهيّة بشرط لا ، ولا خفاء في أنّها لا توجد في الأعيان بل في الأذهان ، وقد تؤخذ لا بشرط أن تكون مقارنة أو مجرّدة بل مع تجويز أن يقارنها العوارض وأن لا يقارنها ويسمّى بالماهيّة من حيث هي والماهيّة لا بشرط ، وهي بهذا المعنى ممّا يمكن وجودها في الأعيان ، فيجوز أن يكون المطلوب هو الماهيّة من حيث هي لا بقيد الكلّيّة ولا بقيد الجزئيّة ، وإن كانت لا تنفكّ في الوجود عن أحدهما وهذه لا يستحيل وجودها ، لأنّ الكلّيّة المنافية للوجود العيني ليست قيداً فيها وشرطاً لها ، فلا يلزم أن يكون المطلوب هو الجزئي من حيث هو جزئي كما ذكروه . فإن قيل : الكلّيّة والجزئيّة متنافيان ، فعدم اعتبار أحدهما يوجب اعتبار الآخر لئلاّ يلزم ارتفاع النقيضين . قلنا : عدم اعتبار النقيضين غير ارتفاعهما واللازم هو الأوّل ، والمحال هو الثاني . أقول : الأولى في الجواب منع المقدّمة الأُولى - لأنّها الّتي أوجبت الشبهة - بمنع لزوم التناقض لو اتّصفت الماهيّة بالكلّيّة والجزئيّة ، فإنّ الحيثيّة إذا تعدّدت وكانت تقييديّة أوجبت تعدّد الموضوع ، فالمتّصف بالكلّيّة إنّما هي الماهيّة المجرّدة والمتّصف بالجزئيّة هي الماهيّة المقيّدة فلا يلزم التناقض ، كما لا يلزم تعلّق الحكم بغير المقدور ، لإمكان الامتثال بإيجاد الفرد المحصّل لها ، كما لا يلزم اعتبار الوجود في متعلّقه ليكون جزئيّاً . وقد يجاب أيضاً : بأنّهم لو أرادوا بالجزئي فرداً معيّناً فهو باطل قطعاً ، لعدم دلالة اللفظ عليه رأساً ، وإن أرادوا جزئيّاً غير معيّن فوقعوا في المحذور الّذي فرّوا عنه فإنّه أيضاً كلّي ، وأيضاً يلزم المجاز في كلّ الأوامر بل النواهي وغيرهما أيضاً وفيهما ما لا يخفى من الوهن ( 1 ) كوهن ما لو أورد عليهم : بأنّ الفعل قبل الأمر إمّا حاصل من المكلّف وموجود في
هامش
( 1 ) ذكرها بعض الأعاظم تبعاً لبعض الأعلام ، والوجه في وهن الأوّل : أنّ لزوم المحذور على إرادة احتماله الثاني إن كان من جهة عدم تعيين الفرد ، فيدفعه : أنّه يلزم إذ اعتبر عدم التعيين قيداً في الامتثال لعدم تحقّقه إلاّ في المعيّن الّذي ينشأ تعيينه عن اختيار المكلّف . وأمّا إذا اعتبر قيداً في الطلب فلا . وفي وهن الثاني : اندفاعه بإرادة الفرد من باب إطلاق الكلّي على الفرد ، بأن يراد من اللفظ نفس الطبيعة وأحيل فهم الخصوصيّة الّتي تعلّق بها الطلب إلى الخارج ، وهو الطلب الّذي لا يتعلّق إلاّ بالممكن . وأمّا ما يقال في دفع ذلك - كما في كلام بعض الفضلاء - من أنّ هذا إنّما يتمّ على القول بوجود الطبايع في الخارج ، وأمّا على القول بعدمه كما يراه الخصم فلا ، إذ لا تحقّق للطبيعة حينئذ في ضمن الأفراد حتّى يطلق عليه اللفظ باعتباره . فيدفعه : أنّ مبنى كلام الخصم على أنّ التكليف لا يتعلّق إلاّ بالمقدور ولا قدرة إلاّ مع الوجود ولا وجود إلاّ للفرد ، ومن البيّن أنّ القدرة من شرايط التكليف فيلزمه اشتراط الوجود في المكلّف به لا من شرايط مطلق الإطلاق والاستعمال ، إذ لم يقل أحد بأنّ الاستعمال في معنى مشروط بوجود ذلك المعنى ، فلذا لا يجري الخلاف في الكليّات الواقعة في غير مقام الطلب ، فلا ضير في أنّ يتعلق الاستعمال بغير الموجود وأُريد معه تعلّق الطلب بالموجود ولا يستلزم ذلك إرادة ذلك الموجود من اللفظ بالخصوص كما لا يخفى ( منه عفي عنه ) .
تعليقة على معالم الأصول — صفحة 308 | السيد علي الموسوي القزويني / السيد علي العلوي القزويني