وجوابه : أمّا أوّلا فبأنّه قياس في اللّغة ، لأنّك قِست الأمر في إفادته
شرح
الباب حيث يقصد القائل فيه الزمان الحاضر لإيقاع الطلب كما سبق تحقيقه ، ولكنّه
لا يجدي في إثبات المطلوب نفعاً .
وإن أُريد به قصد الزمان الحاضر لوقوع النسبة في الواقع وتحقّق الحدث فيه فهو في
حيّز المنع ، كيف وهي محتملة لجميع الأزمنة ، كما أنّ الحدث بحسب الوقوع الخارجي
قابل لكلّ واحد منها على سبيل البدليّة من أنّ من جملة الأخبار ما لا يقصد إلاّ المضيّ
من الزمان ك " زيدٌ قام " و " عمرو علم " وما لا يقصد إلاّ الاستقبال من الزمان ك " زيد
يقوم " و " عمرو يعلم " والإنشاءات من العقود والإيقاعات لا يقصد بها زمان أصلا - بناءً
على ما يساعده التحقيق - وإنّما يقصد بها إيجاد الأسباب ليترتّب عليها المسبّبات من
دون اعتبار زمان فيها ، فإذا كان الأفراد المستقرأ فيها أو المقيس عليها في اختلاف
الحكم بهذه المثابة مع عدم الغلبة في شيء منها فكيف يعلم حال المشكوك فيه ، وبِمَ
يلحق حتّى لا يلزم الترجيح من غير مرجّح ، أو اعتبار الحكم المخالف للأصل من غير
دليل .
* أجاب به المصنّف تبعاً للحاجبي والعضدي - على ما حكي عنهما - وفيه نظر بل
واقع على خلاف التحقيق ، فإنّ المستدلّ إنّما رام بما قرّره التمسّك بالاستقراء
بقرينة قوله : " فكذا الأمر إلحاقاً له بالأعمّ الأغلب " ضرورة أنّ القياس لا يعتبر فيه غلبة
ولا ينظر معه إلى الغالب كما هو معلوم عن حدّه المذكور في محلّه ، وإنّما ينظر فيه إلى
الجامع بين الأصل والفرع والاستدلال خال عن التعرّض لذكره فهو قرينة أُخرى على
بطلان ما فهموه ، فلذا أطبق المحقّقون وفحول أئمّة الأُصول على تخطئتهم والإيراد
عليهم بما ذكر ، وهو طريق معهود إلى إثبات الأوضاع في جميع اللغات ولا سيّما في
الأوضاع النوعيّة الثابتة في الألفاظ المفردة والمركبّة ، ولا سيّما المشتقّات اسميّةً وفعليّة .
ومن هنا تبيّن فساد الجواب الآخر ، فإنّ إبداء الفارق إنّما يصلح ردّاً على المستدلّ
لو كان نظره إلى القياس ، ولقد عرفت بطلانه .
فالتحقيق في الجواب أن يقال : إنّ أوّل ما يرد على الاستدلال أنّ الاستقراء وإن
كان معتبراً في حدّ نفسه إلاّ أنّه في مقام المعارضة غير مقاوم للأدلّة المتقدّمة القاضية
بالوضع للماهيّة من التبادر وغيره ، نظراً إلى أنّ اعتباره إنّما هو من باب الوصف الّذي لا
يحصل مع وجود تلك الأدلّة إلاّ عنها .