وقوله تعالى : ( فَاسْتَبِقُوا الَخيراتِ ) فإنّ فعل المأمور به من الخيرات ؛ فيجب
الاستباق إليه . وإنّما يتحقق المسارعة والاستباق بأن يفعل بالفور .
شرح
وأمّا ما يقال أيضاً - في دفع الاستدلال بتلك الآية والآية الآتية - تارةً : بأنّ
ظاهرهما معارض بظاهر الأوامر المطلقة ، فإنّها بإطلاقها تدلّ على التوسعة فتقدّم على
الآيتين ، لكون كلّ واحدة أخصّ من كلّ واحدة ، والخاصّ مقدّم في مقام المعارضة على
العامّ .
وأُخرى : بأنّ الأمر إن كان للفور يلزم أن يكون الآية - بناءً على دلالتها على الفور -
تأكيداً ، وإن كان للماهيّة يلزم التأسيس ، ولا ريب في تقدّم التأسيس على التأكيد .
وثالثةً : بأنّ الآيتين لو سلّم ظهورهما في الوجوب فهو ظهور ، وما ذكرنا من التبادر
وغيره في الماهيّة في الأوامر المطلقة ظهور ، ولا ريب أنّ هذا أقوى منه فيحمل الآيتان
على الاستحباب ، فكلّها مدخولة لا ينبغي الالتفات إليها .
نعم يرد عليهما : أنّه لو أُريد بهما إثبات الوضع لغةً أو شرعاً فهما قاصرتان عن
إفادته ، بل ربّما قيل : بأنّ فيهما إشعاراً بعدم دلالته لغةً على الفور وإلاّ لما احتاج إلى
البيان ، وإن أُريد ما وراء ذلك فليس من المتنازع فيه كما تقدّم ، وصرّح به غير واحد من
الأجلّة .
ومع الغضّ عن جميع ما ذكر نقول : إنّهما على ما يساعده الانسباق العرفي
والفهم الصافي كنايتان عن فعل الطاعات ، ومراد بهما الحثّ والتحريص على إكثارها
وممارستها والمبالغة على الاعتبار بشأنها من غير نظر فيهما إلى فور ولا مبادرة ، وإن
كان موضوعهما اللغوي هو المبادرة على ما نصّ عليه غير واحد من أهل اللغة ، كما يقال :
" سارع إلى إصلاح أمرك ، أو إهلاك عدوّك " أي لا تقصر ولا تهمل .
* يرد عليه : كثير ممّا تقدّم ، مضافاً إلى ما قيل : من أنّ مفاد الاستباق هو مسابقة البعض
لآخر في أداء الخيرات والتسابق عليها ، دون مطلق الإسراع إلى الفعل ليراد منه الفور فلا
يوافق المدّعى ، فلابدّ حينئذ من حملها على الندب ، إذ لا قائل بوجوب المسابقة على
الطاعات على الوجه المذكور .
وأمّا ما قيل في الذبّ عنه : من أنّه لمّا كان ظاهر الآية الوجوب ولم يكن الاستباق
على هذا الوجه واجباً قطعاً ، فيصير ذلك قرينة على حمل الاستباق على مطلق
المسارعة .
ففيه : أنّ الأمر في الندب أظهر عرفاً من الاستباق في مطلق المسارعة ، فتعيّن
المصير إليه جزماً .