وأجيب : بأنّ ذلك محمول على أفضليّة المسارعة والاستباق ، لا على
وجوبهما ، وإلاّ لوجب الفور ، فلا يتحقّق المسارعة والاستباق ؛ لأنّهما إنّما
يتصوّران في الموسّع دون المضيّق ، ألا ترى أنّه لا يقال لمن قيل له " صُم غداً "
فصام : " إنّه سارع إليه واستبق " . والحاصل : أنّ العرف قاض بأنّ الإتيان بالمأمور
به في الوقت الّذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمّى مسارعة واستباقاً ؛ فلابدّ من
حمل الأمر في الآيتين على الندب ، وإلاّ لكان مفاد الصيغة فيهما منافياً لما
تقتضيه المادّة * .
شرح
* وتوضيح ذلك : أنّ الصيغة على تقدير إرادة الوجوب عنها مقتضية للتضييق ، والمادّة
بشهادة العرف والاستعمال مقتضية للتوسعة ، وهما متنافيان وحمل الآيتين عليهما غير
جائز ، فلابدّ من حملهما على الندب .
وأورد عليه : بأنّ الأمر على تقدير كونه لوجوب الفور كان مفاده حصول العصيان
والإثم بالتأخير لا عدم الصحّة في الزمان المتأخّر ، ومقتضى المسارعة ليس إلاّ الصحّة
في الزمان المتأخّر لا عدم الإثم ، فلا منافاة بين المادّة والصيغة حينئذ ، لجواز الصحّة مع
الإثم على التأخير كما في الحجّ ، فيكون معنى الآية : أنّ ما يصحّ فعله في الزمان المتأخّر
يجب فعله على الفور .
وأوضح منه ما في كلام بعض الأفاضل : " من أنّ الزمان قد يؤخذ في الفعل على
وجه لا يتصوّر الإتيان به في غير ذلك الزمان ، كما في " صُمْ يوم الجمعة " نظراً إلى أنّه لا
يعقل إيقاع ذلك الواجب في غير ذلك الزمان .
وقد يؤخذ شرطاً لصحّته من غير أن يؤخذ جزءً لمفهومه ، فيمكن تأخير الفعل عن
ذلك الزمان إلاّ أنّه لا يتّصف حينئذ بالصحّة .
وقد يكون إيقاعه فيه واجباً موجباً لحرمة تأخيره عنه إلاّ أنّه لا يفوت الواجب
بفواته ، فيكون نفس الفعل واجباً مطلقاً [ وخصّ إيقاعه في ذلك الوقت واجباً ] ( 1 ) وقد
يكون على وجه الرجحان .
هامش
( 1 ) أضفناه من هداية المسترشدين .