شرح
من أقوى أمارات خلاف الحقيقة .
فلذلك ترى لو قال - في القسم الثاني بعد المثال المزبور - : " ما أهنت أبي بل أكرمته "
لاستفيد منه استهجان آخر كاشف عن كذب القضيّة الثانية لما ذكر دون القضيّة الاُولى ، لما
عرفت من وقوع الاستعمال فيها على طبق الوضع واللغة وانطباق ما استعمل فيه اللفظ على
مدلوله اللغوي .
ومن هنا جعل عدم صحّة السلب من أقوى شواهد الحقيقة .
وبالجملة لو كان إطلاق " الأمر " هنا في محلّه لما صحّ السلب عنه ثانياً ، كما لم يكن صحّ
في باب الإهانة .
ووجه بطلان التالي مع الملازمة ما عرفت .
وممّا يفصح عن كون الاستهجان هنا لمجرّد خصوصيّة في اللفظ - وهو تضمّنه علوّ
القائل المنتفي هنا - أنّه لو كان لأجل ورود المعنى في محلّ غير مناسب لوجب حصول
الاستهجان فيما لو ورد المعنى بلفظ آخر ، كما لو قال الداني للأمير : " اطلب منك الشيء
الفلاني ولا أرضى بتركه " مع أنّ الوجدان السليم يحكم بعدمه .
وأمّا ما ذكره ثانياً من الحكم بفساد إطلاق هذه الدعوى بتوهّم جواز الاستعمال فيه في
الجملة عند الجميع .
ففيه : أنّ المتّجه إطلاق المنع ولو على سبيل المجاز على تقدير انتفاء العلوّ بالمرّة ولو
ادّعاء .
كيف وأنّه لا يطلق على هذا التقدير إلاّ على طريق السخريّة والاستهزاء أو مع إرادة
المزاح كما هو شأن الأغلاط في جميع اللغات ، وإسناد جوازه مجازاً إلى الجميع موضع منع .
ولو سلّم فهو مبنيّ في صدق " الأمر " على الاكتفاء بالعلوّ في الجملة ولو ادّعاء ، نظراً إلى
أنّ الاستعلاء الّذي يسلّمه المجيب في ذلك الإطلاق مآله إلى ادّعاء العلوّ .
غاية الأمر أنّه قد يصادف الواقع فيصدق معه " الأمر " حقيقة لتحقّق ما به مناط الحقيقة ،
وقد لا يصادفه فينتفي معه الصدق الحقيقي ، ولو كان هنا صدق في بعض الأحيان على سبيل
المجاز ، فإنّما هو لتحقّق العلوّ الادّعائي ( 1 ) لكون النتيجة تابعة لأخسّ مقدّمتيها
هامش
( 1 ) ومحصّل ذلك الكلام : أنّ هذا الاستعمال على فرض صحّته عند الكلّ إنما هو لتنزيل المستعلي منزلة
العالي بعد ادّعائه العلوّ فيطلق على طلبه ما هو من خواصّ المشبّه به مجازاً ، وكذلك إذا أطلق المستعلي
لفظ " الأمر " على طلبه وهو غير عال على فرض صحّته ، فإنّ اعتبار تلك العلاقة في النفس أقوى شاهد
على أنّه مأخوذ في الموضوع له ، فلذا يعتبر في خلافه ليصحّ الاستعمال .
ويمكن أن يقال أيضاً : إنّ صدق " الأمر " على طلب المستعلي ولو على سبيل الحقيقة مع الغضّ عمّا
ذكر لا ينافي ما ذكره المستدلّ من اعتبار العلوّ في صدق " الأمر " نظراً إلى دعوى أنّ العلوّ أعمّ من
الحقيقي والادّعائي . كما صرّح به بعض الفضلاء الموافق لنا في المذهب .
وقد ذكرنا في المتن أنّ مرجع الاستعلاء إلى دعوى العلوّ سواء كان من العالي أو غيره ، إلاّ أنّ
المدّعى في الأوّل مصادف للواقع وفي الثاني غير مصادف له ، فلا يثبت بما ذكر مذهب المجيب من نفي
اعتبار العلّو في الأمر ( منه عفى عنه ) .