شرح
وأمّا البناء على الاستحباب من جهة ضعف الرواية وقصورها عن إثبات الوجوب
للتسامح في أدلّة السنن فممّا لا ربط له بالمقام ، وكذا حمل الرواية على الندب عند التعارض
بمجرّد ترجيح إعمال الدليلين على طرح أحدهما من غير أن يحصل هناك فهم عرفي يقضي
بذلك [ كما ذهب إليه البعض ] فذكر ذلك في المقام ليس على ما ينبغي ، لوضوح خروجه عن
محلّ الكلام ، إذ ليس شيء من ذلك قرينة متّصلة ولا منفصلة على إرادة الندب من اللفظ .
والمفروض في كلام المصنّف شيوع استعمال الأوامر في الندب ، وأين ذلك ممّا ذكر .
فأجاب عنه ( 1 ) ذلك الفاضل أوّلا : بأنّ المعتبر في الغلبة الباعثة على الوقف أو الصرف هو
ما إذا كانت قاضية بفهم المعنى المجازي مع الإطلاق ، وكونه في درجة الظهور مكافئاً للمعنى
الحقيقي حتّى يتردّد الذهن بينهما أو يكون راجحاً على معناه الحقيقي ، وحصول ذلك في
أخبارهم [ ( عليهم السلام ) ] غير ظاهر ، بل من الظاهر خلافه ، إذ الظاهر أنّ الأوامر الواردة عنهم على
نحو سائر الأوامر الواقعة في العرف والعادة ، والمفهوم منها في كلامهم هو المفهوم منها في
العرف .
ويشهد له ملاحظة الإجماع المذكور في كلام السيّد وغيره ، فإنّه يشمل كلام
الأئمّة ( عليهم السلام ) ، وملاحظة طريقة العلماء في حمل الأوامر على الوجوب كافية في ذلك ، ولم
نجد الدعوى المذكورة في كلام أحد من متقدّمي الأصحاب مع قرب عهدهم ووفور
اطّلاعهم ( 2 ) .
ومع الغضّ عن ذلك ، فالشهرة المدّعاة إمّا بالنسبة إلى أعصارهم ( عليهم السلام ) ليكون اللفظ
مجازاً مشهوراً في الندب عند أهل العرف في تلك الأزمنة ، أو بالنسبة إلى خصوص الأوامر
الواردة عنهم ( عليهم السلام ) فيكون مجازاً مشهوراً في خصوص ألسنتهم ( عليهم السلام ) دون غيرهم .
وعلى الثاني فإمّا أن يكون الشهرة حاصلة بملاحظة مجموع أخبارهم المأثورة
عنهم ( عليهم السلام ) ، أو بملاحظة الأخبار المرويّة عن بعضهم ، أو بالنسبة إلى كلام كلّ واحد منهم
ليكون الاشتهار حاصلا في كلام كلّ واحد منهم استقلالا .
هامش
( 1 ) أي عن دعوى المصنّف ( رحمه الله ) .
( 2 ) هكذا عقيب تلك العبارة في هداية المسترشدين : " بل لم نجد ذلك في كلام أحد ممّن تقدّم على
المصنّف ، ولو تحقّقت الغلبة المذكورة لكان أُولئك أولى بمعرفتها . فاتّفاقهم على حملها على الوجوب
كاشف عن فساد تلك الدعوى ، بل في بعض الأخبار الواردة عنهم ( عليهم السلام ) دلالة على خلاف ذلك حسب ما
مرّت الإشارة إليه " ولعلّ المصنّف ( رحمه الله ) أسقطها تلخيصاً والله العالم .