وأمّا احتجاجه على أنّه في العرف الشرعيّ للوجوب ، فيحقّق ما ادّعيناه ،
إذ الظاهر أنّ حملهم له على الوجوب إنّما هو لكونه له لغة ، ولأنّ
تخصيص ذلك بعرفهم يستدعي تغيير اللّفظ عن موضوعه اللّغوي ، وهو
مخالف للأصل . هذا ، ولا يذهب عليك أنّ ما ادّعاه في أوّل الحجّة ، ] من [
استعمال الصيغة للوجوب والندب في القرآن والسنّة ، مناف لما ذكره من
حمل الصحابة كلّ امر ورد في القرآن أو السنّة على الوجوب ، فتأمّل ! .
احتجّ الذاهبون إلى التوقّف : بأنّه لو ثبت كونه موضوعاً لشيء من
المعاني ، لثبت بدليل ، واللاّزم منتف ; لأنّ الدليل إمّا العقل ، ولا مدخل له ،
وإمّا النقل ، وهو إمّا الآحاد ، ولا يفيد العلم ، أو التواتر ، والعادة تقتضي
بامتناع عدم الاطلاع على التواتر ممّن يبحث ويجتهد في الطلب . فكان
الواجب أن لا يختلف فيه .
شرح
وأمّا لو استفادوه عن موضع آخر من كلامه الصريح فيه فلابدّ من أن ينظر فيه .
فعلى ما ذكر لا يرد عليه ما أورده المصنّف في آخر كلامه من منافاة ما ادّعاه أوّلا من
استعمال الصيغة في الوجوب والندب في القرآن والسنّة لما ذكر ثانياً من حمل الصحابة كلّ
أمر ورد في القرآن والسنّة على الوجوب ، ولا ما أورد أيضاً من أنّه بعد فرض الاستعمال في
الندب بالنسبة إلى عرف الشرع مجازاً لا فائدة تترتّب على أخذه في الاحتجاج ، ولا ما
أجابوا عن احتجاجه الثاني تارةً : بأنّ الإجماع المذكور إنّما يفيد حملهم أوامر الشرع عليه
وهو أعمّ من كونها موضوعة لمطلق الطلب ، أو كونها مشتركة بين المعنيين كما اختاره في
وضعها بحسب اللغة .
وأُخرى : بأنّه لا دلالة في الإجماع المذكور على استناد الفهم المشار إليه إلى نفس
اللفظ ، بل قد يكون من جهة ظهور الطلب في الوجوب كما هو معلوم من فهم العرف أيضاً بعد
الرجوع إلى المخاطبات العرفيّة .
وثالثةً : بأنّه إذا دلّ الإجماع على كونه حقيقة في عرف الشرع في الوجوب خاصّة ،
فقضيّة أصالة عدم تعدّد الاصطلاح وعدم تحقّق الهجر أن يكون كذلك بحسب اللغة أيضاً .