تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
وبُكِيٌّ ، بالضَّمِّ وكَسْرِ الكافِ وتَشْديدِ الياءِ ، وأَصْلُه بكوى على فُعُول كسَاجدٍ وسُجُودٍ قُلِبَ الواوُ ياءً فأُدغم ؛ قالَهُ الرَّاغِبُ . قالَ شيْخُنا : وهو مَسْموعٌ في الصَّحيحِ ولا يُعْرَفُ في المُعْتلِّ وقد خَرَّجُوا عليه قَوْلُه تعالى ( خروا سجدا ( 1 ) ً وبكياً ) . والتَّبْكاءُ ، بالفتْحِ ، ويُكْسَرُ : البُكَاءُ أَو كَثْرَتُه . قالَ شيْخُنا : هذا الكَسْرُ الذي صارَ للمصنِّفِ كالعادَةِ في تفْعال لا يُعْرف وتَفْسِيره بالبُكاءِ مثْله فالصَّوابُ قَوْله أَو كَثْرَتُه فإنَّ التّفْعالَ مَعْدودٌ لمُبالَغة المَصْدَر على ما عُرِفَ في الصَّرْفِ . * قُلْتُ : الكَسْرُ الذي أَنْكَره شيْخُنا على المصنِّفِ هو قَوْلُ اللّحْيانيّ وكذا تَفْسِيره بالبُكاءِ ، فإنَّه عن اللَّحْيانيِّ أَيْضاً واسْتَدَلَّ بقَوْل بعض نِساءِ الأعْراب في تَأْخيذِ الرِّجال أَخَّذْتُه في دُبَّا مُمَلأٍ مِن المَا مُعَلَّقٍ بتِرْشا فلا يَزَال في تِمْشا وعينُه في تِبْكا ، ثم فَسَّره فقالَ : التِّرْشَا الحَبْلُ ، والتِّمْشا المَشْيُ ، والتِّبْكا البُكاء . قالَ ابنُ سِيدَه : وكانَ حُكْمُ هذا أَنْ تقولَ تَمْشاء وتَبْكاء لأنَّهما مِنَ المصادِرِ التي بُنِيَتْ للتّكْثيرِ كالتَّهْذارِ في الهَذْرِ والتَّلْعابِ في اللَّعِبِ ، وغيرِ ذلِكَ مِنَ المَصادِرِ التي حَكَاهَا سِيْبَوَيْه . وقالَ ابنُ الأَعْرابيِّ : التَّبْكاءُ ، بالفتْحِ : كَثْرَةُ البُكاءِ ؛ وأَنْشَدَ : وأَقْرَحَ عَيْنَيَّ تَبْكَاؤُه * وأَحْدَثَ في السَّمْعِ مِنِّي صَمَمْ ( 2 ) * قُلْتُ : ففي قوْلِ المصنِّفِ لَفٌّ ونَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ فتأَمَّل . وأَبْكَاهُ : فَعَلَ به ما يُوجِبُ بُكاءَه ؛ ولو قالَ : ما يُبْكِيه ، كانَ أَخْصَر . وبَكَّاهُ على المَيِّتِ ؛ ولو قالَ على الفَقِيدِ كانَ أَشْمل ؛ تَبْكِيَةً : هَيَّجَهُ للبُكاءِ عليه ودَعاهُ إليه ؛ ومنه قَوْلُ الشاعِرِ : صَفِيَّةُ قُومي ولا تَقْعُدي * وبَكِّي النِّساءَ على حَمْزَة ( 3 ) وبَكاهُ بُكَاءً وبَكَّاهُ تَبْكِيةً ، كِلاهُما بمعْنَى بَكَى عليه ؛ نَقَلَهُ الجَوْهرِيُّ عن الأصْمعيّ قالَ : وأَبو زَيْدٍ مثْله . وقيلَ : مَعْناهُما رَثاهُ . وبَكَى أَيْضاً : غَنَّى ؛ وأَنْشَدَ ثَعْلَب : وكنتُ مَتَى أَرَى زِقّاً صَرِيعاً * يُذاعُ على جَنازَتِه بَكَيْتُ ( 4 ) فَسَّره فقالَ : أَرادَ غَنَّيْتُ ، فهو ضِدٌّ ، جَعَلَ البُكاءَ بمنْزِلَةِ الغِناء ، واسْتَجازَ ذلِكَ لأنَّ البُكاءَ كَثيراً ما يَصْحبُه الصَّوْت كما يَصْحَبُ الصَّوْت الغِناء . وبه يُرَدُّ ما قالَهُ شيْخُنا إنَّ هذا الإطلاقَ إنَّما وَرَدَ بالنِّسْبَةِ إلى الحَمامِ وشبهِهِ ، أمَّا إطْلاقه على الآدَمِييِّن فغَيْرُ مَعْروفٍ ، قالَ : ثم جعله البُكَاء بمعْنَى الغِناءِ مَعَ الرّثاءِ ونَحْوه مِن الأَضْدادِ لا يَخْفَى ما فيه ، فتأَمَّل . * قُلْتُ : تَظْهرُ الضّدِّيّةُ على الأَغْلبِيَّة فإنَّ الرِّثاءَ غالِباً يَصْحَبُه الحُزْنُ والغِناءُ غالِباً يَصْحَبُه الفَرَحُ ، فلا وَجْه للتَّأَمّل فيه . والبَكَى ، مَقْصوراً : نَباتٌ ، أَو شَجَرٌ ، الواحِدَةُ بَكَاةٌ ، كحَصَاةٍ . وقالَ أَبو حنيفَةَ البَكَاءُ مثلُ البَشامَةِ لا فَرْقَ بَيْنهما إلاَّ عنْدَ العالِمِ بهما ، وَهُما كَثيراً ما يَنْبتانِ مَعاً ، وإذا قُطِعَتِ البَكَاءُ هُرِيقَت لَبناً أَبْيض . * قْلْتُ : ولعلَّ هذا وَجْهُ تَسْمِيَته بالبَكَى . وذُكِرَ في الهَمْزِ ، قالَ هناك : البَكءُ والبَكَى نَباتٌ واحِدَتُهما بهاءٍ . وقالَ ابنُ سِيدَه وقَضَيْنا على أَلِفِ البَكَى بالياءِ لأنَّها لامٌ لوُجُودِ بكى وعَدَم بكو .
هامش
( 1 ) سورة مريم ، الآية 58 . ( 2 ) اللسان . ( 3 ) اللسان ، والأساس . وفيها : " سمية " بدل " صفية " . ( 4 ) اللسان .