تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
أَهْل اللغَةِ ؛ فقد حَكَى أَبو زيْدٍ : العَرَبُ تقولُ : انْبَغَى له الشيء يَنْبَغي انْبِغاءً ، قالَ : والصَّحيحُ أنَّ اسْتَعْمالَه بلَفْظِ الماضي قَليلٌ ، والأَكْثَر مِن العَرَبِ لا يقوله ، فهو نظِيرُ يدعِ وودع إذ كان ودع لا يُسْتَعْمل إلاّ في القَليلِ ، وقد اسْتَعْمَل سِيْبَوَيْه انْبَغَى في عِبارَتِه في بابِ منصرف رويد . قالَ شيْخُنا : وقد ذَكَرَ انْبَغَى غير أبي زيدٍ نَقَلَهُ الخطابيُّ عَنْ الكسائي والواحدِيُّ عن الزجَّاجِ وهو في الصِّحاحِ وغيره واسْتَعَمْلَهُ الشافعي كثيراً وردُّوه عليه وانتصر له البَيْهَقيّ في الانْتِصارِ بمثْلِ ما هنا ؛ وعلى كلِّ حالٍ هو قَليلٌ جدّاً وإن وَرَد ، انتَهَى . * قُلْتُ : أَمَّا قَوْلُ الزجَّاجِ فقد قَدَّمْناهُ ، وأَمَّا نَصُّ الصِّحاحِ فقالَ : وقَوْلُهم : يَنْبَغي لكَ أَنْ تَفْعَلَ كذا ، هو مِن أَفْعالِ المُطاوَعَةِ . يقالُ : بَغَيْتُه فانْبَغَى كما تَقولُ كَسَرْتُه فانْكَسَرَ . وإنَّه لَذُو بُغايَةٍ ، بالضَّمِّ : أَي كَسوبٌ . وفي المُحْكَمِ : ذُو بُغايَةٍ للكَسْبِ إذا كانَ يَبْغي ذلِكَ . وقالَ الأصْمَعيُّ : بَغَى الرجلُ حاجَتَه أَو ضَالَّتَه يَبْغِيها بُغاءً وبُغْيَةً وبُغايةً ، إذا طَلَبَها ؛ قالَ أَبو ذُؤَيْب : بُغايةً إنَّما يبغِي الصحاب من ال * فتيانِ في مثْلِه الشُّمُ الأناجِيحُ ( 1 ) وبَغَتِ ( 2 ) المرأَةُ تَبْغي بَغْياً ، وعليه اقْتَصَر ابنُ سِيدَه . وفي الصِّحاحِ : بَغَتِ المرأَةُ بغاءً ، بالكسْرِ والمدِّ ؛ وباغَتْ مُباغاةً وبِغاءً . قالَ شَيْخُنا : ظاهِرُه أنَّ المَصْدرَ مَن الثّلاثي البغي وأنَّه يقالُ باغَتْ بغاءً ، والأوَّل صَحِيحٌ ، وأَمَّا باغَتْ فَغَيْرُ مَعْروفٍ وإن ورد سافر ونَحْوه لأصْل الفِعْل بل صَرَّح الجَماهِير بأنَّ البغاءَ مَصْدَرٌ لبَغَتْ الثلاثي لا يُعْرفُ غَيْرُه ، والمُفاعَلَة وإن صحَّ ، ففيه بُعْدٌ ولم يَحْمل أَحدٌ من الأئِمَّةِ الآيَةَ على المُفاعَلَة بل حَمَلُوها على أَصْلِ الفِعْل ؛ انتَهَى . * قُلْتُ : وهذا الذي ذَكَرَه كُلّه صَحِيح ، إلاَّ أنَّ قَوْلَه : وأَمَّا باغَتْ فغَيْرُ مَعْروفٍ ففيه نَظَرٌ . فقالَ ابنُ خَالَوَيْه : البِغاءُ مصْدَرُ بَغَتِ المرأَةُ وباغَتْ ؛ وفي الصِّحاحِ : خَرَجَتِ الأَمَةُ تُباغِي أَي تُزانِي ؛ فهذا يَشْهَدُ أَنَّ باغَتْ مَعْروفٌ ، وجَعَلُوا البِغاءَ ، على زِنَةِ العُيوبِ كالحِرانِ والشِّرادِ لأنَّ الزِّنا عَيْبٌ . وقوْلُه تعالى : ( ولا تُكْرِهوا فَتياتِكُم على البِغاءِ ) ( 3 ) ، أَي الفُجُور فهي بَغِيٌّ ؛ ولا يقالُ ذلِكَ للرَّجُل ، قالَهُ اللّحْيانيُّ . ولا يقالُ للمرأَةِ بَغِيَّةٌ . وفي الحدِيثِ : " امْرأَةٌ بَغِيٌّ دَخَلَتِ الجَنَّةَ في كَلْبٍ " ، أَي فاجِرَةٌ . ويقالُ للأَمَةِ بَغِيٌّ وإن لم يُرَدْ به الذَّم ، وإن كانَ في الأصْلِ ذمّاً . وقالَ شيْخُنا : يَجوزُ حَمْلُه على فَعِيلٍ ، كغَنِيَ ؛ وأَمَّا في آيَةِ السيِّدَةِ مَرْيَم فالذي جَزَمَ به الشيخُ ابنُ هشامِ وغيرُهُ أنَّ الوَصْفَ هناك على فَعول وأَصْلُه بغوي ، ثم تَصَرَّفُوا فيه ، ولذلِكَ لم تَلْحقْه الهاءُ . ويقالُ أَيْضاً : امْرأَةٌ بَغُوٌ ، كما في المُحْكَم . وكأنَّه جِيءَ به على الأَصْلِ . قالَ شيْخُنا : وأَمَّا قَوْلُه بَغُوُّ بالواو فلا يظْهرُ له وَجْهٌ ، لأنَّ اللامَ ليسَتْ واواً اتِّفاقاً ، ولا هناك سماعٌ صَحِيحٌ يَعْضدُه ، مع أَنَّ القِياسَ يَأْباهُ ، انتَهَى . * قُلْتُ : إذا كانَ بَغِيّاً أَصْلُه فعول كما قَرَّرَه ابنُ هِشامِ ، فقُلِبَتِ الياءُ واواً ثُم أُدْغِمَتْ ، فالقِياسُ لا يَأْباهُ ، وأَمَّا السماعُ الصَّحيحُ فناهِيك بابنِ سِيدَه ذَكَرَه في المُحْكَم وكَفَى به قدْوَة ، فتأَمَّل . عَهَرَتْ ، أَي زَنَتْ ، وذلِكَ لتَجاوزِها إلى ما ليسَ لها . والبَغِيُّ : الأَمَةُ ، فاجِرَةً كانت أَو غَيْر فاجِرَةٍ ؛ أَو الحُرَّةُ الفاجِرَةُ ، صَوابُه : أَو الفاجِرَةُ حُرَّة كانت أَو أَمَة . وقَوْلُه تعالى : ( وما كانتْ أُمُّكِ بغِيّاً ) ( 4 ) ؛ أَي ما كانتْ
هامش
( 1 ) ديوان الهذليين 1 / 113 واللسان والتهذيب برواية : " الأناجيج " بالجيم . وبالأصل " الفينان " . ( 2 ) في القاموس : " الأمة " . ( 3 ) سورة النور ، الآية 33 . ( 4 ) سورة مريم ، الآية 28 .