وقالَ الجوْهرِيُّ : ومعْنَى قَوْلِ النَّحْوِيِّين في الاسْمِ إنَّه مُتَمكِّنٌ أَي أنَّه مُعْرَبٌ كعُمَرَ وإبراهيمَ ، فإذا انْصَرَفَ مع ذلِكَ فهو المُتَمَكِّنُ الأَمْكَنُ كزَيْدٍ وعَمْرٍو ، وغَيْر المُتَمَكِّن هو المَبْنيُّ كقَوْلكَ كَيْفَ وأَيْنَ ، قالَ
: ومَعْنَى قَوْلهم في الظرْفِ إنَّه مُتَمَكِّنٌ أنَّه يُسْتَعْملُ مَرَّةً ظَرْفاً ومَرَّةً اسْماً ، وغَيْرُ المُتَمَكِّنِ هو الذي لا يُسْتَعْملُ في مَوْضِعٍ يَصْلح أَن يكونَ ظَرْفاً إلاَّ ظَرْفاً .
والمَكانُ : المَوْضِعُ الحاوِي للشيءِ .
وعنْدَ بعضِ المُتَكلِّمين أنَّه عَرْضٌ ، وهو اجْتِماعُ جِسْمَيْن حاوٍ ومحويّ ، وذلِكَ ككَوْنِ الجِسْم الحَاوِي مُحِيطاً بالمَحْويّ ، فالمَكانُ عنْدَهُم هو المُناسَبَةُ بينَ هذين الجِسْمَيْن ، وليسَ هذا بالمَعْروفِ في اللّغَةِ ؛ قالَهُ الرَّاغبُ .
ج أَمْكِنَةٌ ، كقَذَالٍ وأَقْذِلَةٍ ؛ وأَماكِنُ ، جَمْعُ الجَمْعِ .
قالَ ثَعْلَب : يَبْطُلُ أَنْ يكونَ فَعالاً لأنَّ العَرَبَ تقولُ : كُنْ مَكَانَكَ ، وقُمْ مَكانَكَ ، فقد دَلَّ هذا على أَنَّه مَصْدرٌ مِن كانَ أَو مَوْضِعٌ منه ؛ قالَ : وإنَّما جُمِعَ أَمْكِنةً فعامَلُوا الميمَ الزائِدَةَ مُعامَلَة الأصْلِيّة لأنَّ العَرَ
بَ تُشَبِّه الحَرْفَ بالحَرْفِ ، كما قالوا مَنَارَة ومَنَائِر ، فشَبَّهُوها بفعَالَةٍ وهي مَفْعِلَةٌ مِنَ النُّورِ ، وكان حكْمُه مَنَاوِر ، كما قيلَ مَسِيل وأَمْسِلَة ومُسُل ومُسْلان ، وإنَّما مَسيلٌ مَفْعِلٌ مِن السَّيْلِ ، فكانَ يَنْبَغي أَنْ لا يُتَجا
وزُ فيه مَسايلُ ، لكنَّهم جَعَلُوا الميمَ الزائِدَةَ في حكْمِ الأَصْليةِ ، فصارَ مَفْعِل في حكْمِ فَعِيلٍ ، فكُسِّر تَكْسِيرَه .
والمَكْنانُ ، بالفتْحِ : نَبْتٌ يَنْبُتُ على هَيْئةِ وَرَقِ الهِنْدِبا بعضُ وَرَقِه فَوْقَ بعضٍ ، وهو كثيفٌ وزَهْرتُه صَفْراءُ ، ومَنْبتُه القِنانُ ولا صَيُّورَ له ، وهو أَبْطَأُ عُشْبِ الرَّبِيعَ وذلِكَ لمَكانِ لينِه .
قالَ أَبو حنيفَةَ ، رحِمَه اللَّهُ تعالى : وإذا أَكَلَتْه الماشِيَةُ غَزُرَتْ عليه فكثُرَتْ أَلْبَانُها وخَثُرَتْ ، واحِدَتُه بهاءٍ .
وقالَ الأَزْهرِيُّ : المَكْنانُ مِن بُقُولِ الرَّبيعِ ؛ وأَنْشَدَ لذي الرُّمَّةِ :
وبالرَّوْضِ مَكْنانٌ كأَنَّ حَدِيقَهُ * زَرَابيُّ وشَّتْها أَكُفُّ الصَّوانِعِ ( 1 )
ووادٍ مُمْكِنٌ ، كمُحْسِنٍ : يُنْبِتُه ؛ أَنْشَد ابنُ الأَعْرابيِّ :
ومَجَرّ مُنْتَحَرِ الطَّليّ تَناوَحَتْ * فيه الظِّباءُ ببطْنِ وادٍ مُمْكِنِ ( 2 )
وأَنْشَدَ ابنُ بَرِّي لأَبي وَجْزَةَ يَصِفُ حِماراً :
تَحَسَّرَ الماءُ عنه واسْتَجَنَّ به * إلْفانِ جُنَّا من المَكْنانِ والقُطْبِ ( 3 )
وأَبو مَكِينٍ ، كأَميرٍ : نُوحُ بنُ رَبيعَةَ البَصْرِيُّ تابِعِيٌّ ، هكذا في النسخِ والصَّوابُ أنَّه مِن أَتْباعِ التابِعِين ؛ ففي الكاشِفِ للذَّهبيِّ ؛ رَوَى عن أَبي مجلزٍ وعِكْرِمَة ، وعنه وَكِيعٌ والقطَّانُ ، ثِقَةٌ .
وقالَ ابنُ المُهَنْدس في الكنَى : رَوَى عن إياسِ بنِ الحارِثِ بنِ معيقبِ الدّوْسيّ ، وعنه سهلُ بنُ حمَّادٍ الدَّلاَّل .
وفي الثِّقاتِ لابنِ حبَّان في تَرْجَمَة إياس هذا : يَرْوِي عن جَدِّه مُعَيْقبِ بنِ أَبي فاطِمَةَ الدّوسِيّ حَليف قُرَيْش ، وعنه أَبو مَكِينٍ .
ومَكَّنْتُه من الشَّيءِ تَمْكِيناً ، وأَمْكَنْتُه منه بمعْنًى ، كما في الصِّحاحِ ، فَتَمَكَّنَ واسْتَمْكَنَ : إذا ظَفِرَ به ، والاسمُ مِن كلِّ ذلِكَ المكانَةُ ، كما في المُحْكَم .
قالَ الأَزْهرِيُّ : ويقالُ أَمْكَنَني الأَمْرُ ، فهو مُمْكِنٌ ، ولا يقالُ : أَنا أُمْكِنُه بمعْنَى أَسْتَطِيعُه ، ويقالُ : لا يُمْكِنُكَ الصُّعودَ إلى هذا الجَبَلِ ، ولا يقالُ : أَنتَ تُمْكِنُ الصُّعودَ إليه .
* وممَّا يُسْتدركُ عليه :
ضِبابٌ مِكانٌ ، بالكسْرِ ، جَمْعُ المَكُونِ ، قالَ الشاعِرُ :
هامش
( 1 ) ديوانه واللسان والتهذيب .
( 2 ) اللسان والتهذيب والتكملة بدون نسبة .
( 3 ) اللسان .