تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
جَعَلَ يَفعَلُ كذا أي أَقْبَلَ وأَخَذ ، وهو بمَعْنى التَّوجُّهِ والشّرُوعِ في الشيء والاشتغالِ به . ويكونُ جَعَلَ بمَعْنى سَمَّى ، ومنه قولُه تعالَى : ( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُم عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً ) ( 1 ) : أي سَّمّوهُم ، وقيل : وَصَفُوهم بذلك وحَكَمُوا به ، كما يُقال : جَعَل فُلانٌ زيْداً أَعْلَمَ الناسِ . أو بمَعْنى الاعتقادِ ، كقوله تعالى : ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ ) ( 2 ) ، ويكون بمَعْنَى التَّبيِينِ ومنه قولُه تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرآناً عَرَبيّاً ) ( 3 ) أي بَيَّنَّاه ، وقِيل : معناه : قُلْناه وأنْزلْناه . ويكون بمَعْنَى الخَلْقِ والإيجادِ ، فيتعَدَّى إلى مفعولٍ واحد ، ومنه قولُه تعالى : ( وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ ) ( 4 ) : أي خَلَقَها ، وقولُه تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ ) ( 5 ) وقولُه تعالى : ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ ) ( 6 ) . ويكون بمَعْنَى التَّشْرِيفِ نحوُ قولِه تعالى : ( وَكَذلكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطاً ) ( 7 ) أي شَرَّفْناكم ، وقيل : سَّمّيناكُم ، وكذا قولُه تعالى : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَاماً ) ( 8 ) . يكون بمَعْنَى التَّبدِيلِ نحوُ قولِه تعالى : ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ) ( 9 ) ، وكذا قولُه تعالى : ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ ) ( 10 ) ، ويكون بمَعْنَى الحُكْمِ الشَّرعِيّ كقول الشَّارِع : جَعَل اللّهُ الصَّلواتِ المَفْرُوضاتِ خَمْساً أي حَكَمَ به ، ويكون بمَعْنَى التَّحَكُّمِ البِدْعِيِّ كقوله تعالى : ( الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ ) ( 11 ) . وقال الراغِبُ : قد يكونُ الجَعْلُ بمَعْنى الحُكْمِ بالشيء علَى الشيء ، حَقّاً كان أو باطلاً ، فأما الحقُّ نحوُ قوله تعالى : ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرسَلِينَ ) ( 12 ) ، وأمّا الباطِلُ فنحوُ قولِه : ( وَجَعَلُوا لِلَّه مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً ) ( 13 ) ، ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ ) ، ( الَّذِينَ جَعلَوا الْقُرآنَ عِضِينَ ) ( 14 ) . وقد تكونُ لازِمَةً ، وهي الداخِلَةُ في أفعال المُقارَبَةِ فلا تتعدَّى كقوله : وقد جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُني * ثَوْبي فأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ الثَّمِلِ وكذلك قولُ الشاعر : وقَدْ جَعَلتْ قَلُوصُ ابْنَي سُهَيلٍ * مِن الأَكْوارِ مَرتَعُها قَرِيبُ ( 15 ) وجَعلْتُ زيداً أخاكَ أي نَسَبْتُهُ إليكَ . وفاتَهُ الجَعْلُ بمعْنَى إيجادِ الشيء من الشيء وتكوينه منه ، نحو : ( جَعَلَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُم أَزْوَاجاً ) ( 16 ) وقوله : ( وَجَعلَ لَكُم مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً ) ( 12 ) ، ( وَجَعَلَ لَكُم فِيهَا سُبُلاً ) ( 18 ) . وبمعْنَى تَصْييرِ الشيء علَى حالةٍ دُونَ حالةٍ ، نحو : ( الذي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ) ( 19 ) ( وجَعَلَ لَكُم مِمَّا خَلَقَ ظِلَالاً ) ( 20 ) ، ( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) ( 21 ) ، قِيل : ومنه قولُه تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرآناً عَرَبِيّاً ) . ويكون بمَعْنى التَّسوِيةِ والتَّهْيئة : ( أَلَم نَجْعَلْ لَهُ عَينَيْنِ ) ( 22 ) ، ( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) ( 23 ) و ( يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) ( 24 ) .
هامش
( 1 ) الزخرف الآية 19 . ( 2 ) النحل الآية 57 . ( 3 ) الزخرف الآية 3 . ( 4 ) الأنعام الآية 1 . ( 5 ) الأنبياء الآية 30 . ( 6 ) النحل الآية 78 . ( 7 ) البقرة الآية 143 . ( 8 ) المائدة الآية 97 . ( 9 ) الحجر الآية 74 . ( 10 ) الواقعة الآية 82 . ( 11 ) الحجر الآية 91 . ( 12 ) القصص الآية 7 . ( 13 ) الأنعام الآية 136 . ( 14 ) من قوله : وقال الراغب : قد يكون الجعل . . . إلى هنا هو الوجه الخامس الذي ذكره الراغب في " جعل " وأما الأوجه الأربعة التي ذكرها فثمة اختلاف مع الأصل ونصها في المفردات : الوجه الأول : يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدى نحو جعل زيد يقول كذا . والثاني : يجري مجرى أوجد فيتعدى إلى مفعول واحد . . . والثالث : في إيجاد شئ من شئ وتكوينه منه . . . والرابع : في تصيير الشئ على حالة دون حالة . ( 15 ) المفردات ، وذكرهما شاهدا على الوجه الأول . انظر الحاشية السابقة . ( 16 ) النحل الآية 72 . ( 17 ) النحل الآية 81 . ( 18 ) الزخرف الآية 10 . ( 19 ) البقرة الآية 22 . ( 20 ) النحل الآية 81 . ( 21 ) نوح الآية 16 . ( 22 ) البلد الآية 8 . ( 23 ) الطلاق الآية 2 . ( 24 ) الطلاق الآية 4 .
تاج العروس — صفحة 108 | علي شيري / مرتضى الزبيدي