تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
والبورَقُ ، بالضمِّ الذي يُجْعَل في العَجِين ، وهو أَصْنافٌ أَرْبَعة : مائيٌّ ، وجَبَلِي ، وأَرْمَني ، ومِصْرِي ، وهوَ النَّطْرُون أَجوَده الأَرْمَنيُّ ، وقالَ : الإِطْلاقُ يُخَصّ به ، لتَوَلُّدِه بها أَوَّلاً ، ويُسَمىّ الأَرْمَنيّ أَيضاً بُورَقَ الصّاغَةِ ، لأَنَّه يَجْلو الفِضةَ جَيِّداً ، والأغْبَرُ منه يُسمَّى بُورَق الخَباّزِينَ ، وأَما النَّطْرُون فهُوَ الأَحْمَرُ منه ، ومنه ماله دُهْنِيةّ ، ومنه قِطَعٌ رقاقٌ زُبْدِيَّةٌ ، وهذِه إن كانَتْ خَفِيفة صُلْبَة فهو الإفْرِيقِيُّ ، والمُتَوَلِّدُ بمصْر أجْوَدُه مَسْحوقه يلطَخُ به البَطْنُ قَرِيباً من نارٍ ، فإِنَّه يُخْرِج الدُّودَ ، ومَدُوفاً بعَسَل أَو دُهْنِ زَنْبَق تُطْلَى بهِ المَذاكيرُ فإِنَّه عَجِيب للبَاءَةِ كما شاعَ عند الحُكَماءَ عن تَجْرِبَة . وممَّنْ نُسِبَ إلى بَيعِه : أَبو عَبد الله مُحَمَّد بنُ سَعد بنِ عَمْرو البورَقِي ، وضَاعٌ . والإِستبرَقُ بالكسرِ : الدِّيباجُ الغَلِيظُ أَخْرَجَهُ ابنُ أَبِي حاتِم عن الضَّحّاكِ ، كما في الإتْقان ، وهو فارسي مُعَربٌ هنا نَقَلَه الجَوهَرِيّ ، هكذا عَلَى أَنَّ الهَمْزةَ والتاء والسِّينَ من الزوائد ، وذَكَرَها أيضاً في السين والراء ، وذَكَرَها الأزْهَرِيُّ في خماسيّ القافِ على أَنَّ هَمْزَتَها وَحْدَها زائِدَةٌ ، وقال : إِنَّها وأَمْثالَها من الأَلفاظِ حُروف غريبة ، وقَعَ فيها وِفاق بين العَرَبِية والعَجَميةِ ، قال ابنُ الأَثِير : وهذا عِندي هو الصَّواب ، ثم اخْتَلَفُوا فيه ، فقيلَ : إِنه مُعَرَّب اسْتَرْوَه وهو نَصُّ ابنِ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرةِ ، في : بابِ ما أخِذَ من السرْيانِيَّة ، ووقَعَ في تَفْسِيرِ الزَّجّاج اسْتَفْرَه ، وقِيلَ : هو فارِسي تَعريب اسْتَبْرَه ، ومعنى سِتَبْر ، واسْتَبْر : الغَليظ طْلَقاً ، ثمَّ خُصَّ بغليظِ الدِّيباج ، فقِيلَ : سِتَبْرَه ، واسْتَبْرَه ، بتاء النَّقْل ، ثم عرَبَ بالقافِ بدلَ الهاءَ ، وعلى هذا الوجه اقْتَصَرَ الشِّهابُ الخَفاجيُّ في شرح قولِ البَيْضاوِيّ : هو معرَّب اسْتَبْرَه وقوله : فما في القامُوس خَطَأ وخبطِّ قلت : لا خَطَأ فيه ولا خبْطَ ، بل أوْرَدَ الأَقْوالَ بعَيْنِها ، كما نَصَّ عليه أَئمَّةُ اللغَةِ ، كما ستَقفُ عليه ، وأَمّا كونُه مُعَرَّب اسْتَرْوَه فقد عَرَّفْناك أنَّه بعينِه نصُّ ابنِ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ ، وأَنه مُعَرَّبٌ عن السّرْيانِية ، فلا وَهَمَ فيه ، فتَأمَّلْ . وقالَ شيخنا : الصَّوابُ في اسْتَبْرَق أَن يُذْكَرَ في فَصْلِ الهَمْزةِ ، لأنَّهُ عَجَمِيّ إجماعاً ، وهمزَته قَطْع في صَحيح الكلام ، لا أَنَّه مأخُوذ من البَرْقِ ، حَتى يُتَوَهَّمَ أَنه اسْتَفْعَل ، كما تَوَهَّمه المصنِّفُ . قلتُ : ولكِنّه سَيأتِي أنَّ تَصْغِيرَه أبَيْرِق ، كما نصَّ عليه الجَوْهَرِيّ وغيرهُ ، وفي التصغِير يرَد الشيءُ إِلى أصلهِ ، فعُلِمَ أَنَّ أَصلَه برق وهذا مَلحَظُ الجوهَرِيِّ ، ولو أنَّ ابن الأَثيرِ وغَيْرَه خالَفُوهُ في ذلِكَ ، ثُمّ نَقَلَ شَيخُنا عن الشَهابِ في العِنايةِ - في أَثناءَ الدُّخان - ما نَصه : أَيَّدَ كَوْنَه عربِياً من البَرّاقَةِ ، فَوَصَلَ الهَمزةَ ، قال شيخُنا : في إِثباتِ الوَصْلِ نَظَرٌ : انتهى . قلت : لا نَظَر فيهِ ، فقد نَقَلَه أَبو الفَتْح بنُ جِنِّي في كتاب الشَّواذِّ عن ابنِ مُحَيْصِنٍ في قَوْلِه تَعالى : ( بَطائنُها من اسْتَبْرَقَ ) ( 2 ) قالَ : وكأنه تَوَهمَه فِعْلاً ، إذْ كانَ عَلَى وَزْنه ، فتَرَكَه مَفْتُوحاً على حالِه ، فتَأملْ . أَو دِيباجٌ صَفِيقٌ غَليظٌ حَسَن يُعْمَلُ بالذَّهَبِ وبه فُسِّرَ قولُه تَعالى : ( عالِيَهُم ثِيابُ سُنْدُس خُضرٌ وإِسْتَبْرَق ) ( 3 ) أَو ثِياب حَرِيرٍ صِفاق نَحْوُ الديباج وهو قولُ ابنِ دُريْد وقِيلَ : هو ما غَلُظَ من الحَرِيرِ والإِبْرِيسَم ، قالَهُ ابنُ الأثِير أَو قِدَّة حَمْراء كأَنها قِطَعُ الأوْتارِ نَقَله ابنُ عَبّادٍ وتَصْغِيرُه أبَيرِق نقَله الجَوْهري . والبرَيقُ بنُ عِيَاض بنِ خُوَيْلِدٍ الخُناعِي كزُبَيْرٍ : شاعِرٌ هُذَلِي من بَني خُناعَةَ . وأَرْعَدُوا وأبرَقُوا إِذا أصَابَهم رعد وبرق . وحَكى أَبو عُبَيْدَةَ وأَبُو عمْرو : أَرْعَدَت السَّماءُ وأَبرَقَتْ : إذا أتتْ بهما وكذلِك رعَدَت وبَرَقَتْ وقد تَقدّمَ . وأَرعد فلانٌ وأَبرَقَ : إِذا تَهَدَّدَ وأَوْعَدَ وكذلِك رَعَدَ وَبرَقَ ، وقد تَقَدَّم ، ولو ذَكَر الثلاثِي والرباعيَّ في موضع واحدٍ كان أَتقنَ في الصنْاعةِ ، كما لا يَخْفى ، وقد تَقدَّم إِنكار الأَصْمعيِ أَرْعَدَ وأَبْرَقَ .
هامش
( 1 ) قال داود في تذكرته : المتعارف الآن أن البورق هو الأبيض الخالص اللون الهش الناعم . ( 2 ) سورة الرحمن الآية 54 . ( 3 ) سورة الإنسان الآية 21 .
تاج العروس — صفحة 33 | علي شيري / مرتضى الزبيدي