تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
وآذَاهُ ، ولا يَقَال في غيْرِ البَعُوضِ . قال يَمْدَحُ رَجُلاً باتَ في كِلَّةٍ : لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْنُ أَبِي دِثَارٍ * إِذا ما خَافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا قوله بَعْضاً ، أَي عَضّاً . وأَبو دِثَارٍ : الكِلَّةُ . وقَوْمٌ مَبْعُوضُونَ ، وأَرْضٌ مَبْعَضَةٌ ، كما يُقَال : مَبَقَّة ، أَيْ كَثِيرَتُهُمَا . تَذْنِيبٌ : نُقِلَ عن أَبي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ من الأَضْدادِ ، وأَنَّهُ يَكُون بمَعْنَى الكُلِّ واسْتَدَلَّ له بقَوْلِه تَعالى : " يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم " ( 1 ) أَي كُلّه . واستَدَلَّ بِقَوْلِ لبِيد : * أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُها ( 2 ) * فإِنَّهُم حَمَلُوه على الكُلِّ . قُلتُ : وهكذا فَسَّرَ أَبُو الهيْثَمِ الآيَةَ أَيضاً . قال ابنُ سِيدَه : وليْسَ هذَا عِنْدي على ما ذَهَب إِليْه أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ البَعْضَ في مَعْنَى الكُلّ . هذا نَقْضٌ ولا دَلِيلَ في هذا البَيْتِ ، لأَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى ببَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ . قال أَبُو العَبّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى : أَجْمَع أَهْلُ النَّحْوِ على أَنَّ البَعْضَ شَيْءٌ من أَشيَاءَ أَو شَيْءٌ من شَيْءٍ ، إِلاّ هِشَاماً فإِنَّه زَعَم أَنَّ قَوْلَ لِبيدٍ : أَوْ يَعْتَلِقْ إِلخ فادَّعَى وأَخْطَأَ أَنَّ البَعْضَ هُنَا جَمْعٌ ، ولم يَكُنْ هذَا مِنْ عَمَلِهِ ؛ وإِنّمَا أَرادَ لبِيدٌ ببَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ . قال : وقَوْلُه تَعَالَى : يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُم " أَنَّه كان وَعَدَهُم بشَيئين عَذَاب الدُّنِيَا وعَذَاب الآخِرَة ، فقَال : يُصِبْكُمْ هذَا العَذَابُ في الدُّنيَا ، وهو بَعْضُ الوَعْدَين من غيْرِ أَنْ نَفَى عَذَابَ الآخِرَة . وقال أَبو إِسْحاقَ في قَوْله : " بَعْضُ الَّذِي يَعِدكم " من لَطِيفِ المَسَائِل أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِذا وَعَدَ وَعْداً وَقَعَ الوَعْدُ بأَسْرِه ولم يَقَعْ بَعْضُه ، فمِنْ أَيْنَ جازَ أَنْ يَقُولَ بَعْض الَّذِي يَعِدُكُم ، وحَقُّ اللَّفْظِ : كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُم ، وهذا بَابٌ من النَّظَرِ يَذْهَبُ فيه المُنَاظِرُ إِلى إِلْزَام حُجَّتِه ( 3 ) بأَيْسَرِ مَا فِي الأَمْرِ ، وليْس هذا في مَعْنَى الكُلِّ ( 4 ) ، وإِنَّمَا ذَكَرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ له الكُلَّ ، لأَنَّ البَعْضَ هو الكُلُّ . ونَقَل المصَنِّف في البَصَائر عن أَبِي عُبَيْدَةَ كَلاَمَهُ السَّابِقَ ، إِلاّ أَنَّه ذَكَر في اسْتِدْلاَلِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى : " ولأُبَيِّنَ لكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ " ( 5 ) أَي كُلَّ ، وذَكَر قَوْلَ لبِيدٍ أَيْضاً . قَال : هذا قُصُورُ نَظَرٍ منه ، وذلِكَ أَنَّ الأَشيَاءَ على أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ( 6 ) : ضَرْب في بَيانِهِ مَفْسَدَةٌ ، فلا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ بَيَانُه ، كوَقْتِ القِيَامَة ، ووَقْتِ المَوْتِ . وضَرْب مَعْقُول يُمْكِن لِلْنَّاسِ إِدراكُه من غيْر نَبيّ ، كمَعْرِفة اللهِ ، ومَعْرِفَةِ خَلْقِ السَّموَاتِ والأَرْضِ ، فلا يَلْزَمُ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَنْ يُبَيِّنَه ، أَلاَ تَرَى أَنَّه أَحالَ مَعْرِفَتُه على العُقُول في نَحْوِ قَولِه " قُل انْظُروا مَاذَا فِي السَّموَاتِ والأَرْضِ " ( 7 ) وقوله : " أَوْلَم يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ " ( 8 ) . وضَرْب يَجِبُ عليه بَيَانُه ، كأَصُولِ الشَّرْعِيّات المُخْتَصَّةِ بشَرِعِهِ . وضَرْب يُمْكِنُ الوُقُوفُ عليه بِمَا يُبَيِّنُه صاحِبُ الشَّرْع ، كفُرُوعِ الأَحْكَام . فإِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ في أَمْرٍ غيْرِ الَّذِي يَخْتَصُّ بالنَّبِيِّ بَيَانُه ، فهو مُخَيَّر بَيْنَ أَنْ يُبَيِّنَ وبَيْنَ أَنْ لا يُبَيِّنَ ، حَسْبَ ما يَقْتَضِيه اجْتِهَادُه وحِكْمَتُه . وأَمّا الشَّاعِرُ فإِنّهُ عَنَى نَفْسَهُ . والمَعْنَى إِلاّ أَنْ يَتَدَارَكَنِي المَوْتُ ، لكِنْ عَرَّضَ ولَمْ يُصَرِّح تَفَادِياً من ذِكْرِ مَوْتِ نَفْسِه ، فتَأَمَّلْ .
[ بغض ] : " البُغْضُ بالضَّمِّ : ضِدُّ الحُبِّ " ، نَقله الجَوْهَرِيّ . قال شيْخُنَا ، ضِدُّ الحُبِّ يَلْزَمُه العَدَاوَةُ في الأَكْثَر ، لا أَنَّهما
هامش
( 1 ) سورة غافر الآية 28 . ( 2 ) من معلقته ، وصدره : ترك أمكنة إذا لم أرضها ( 3 ) الأصل واللسان وفي التهذيب : إلزام الحجة . ( 4 ) كذا بالأصل واللسان ، والعبارة في التهذيب : " وليس في هذا نفي إصابة الكل . ومثله قول القطامي : قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل وإنما ذكر البعض . . . " . ( 5 ) سورة الزخرف الآية 63 . ( 6 ) انظر المفردات للراغب " بعض " . ( 7 ) سورة يونس الآية 101 . ( 8 ) سورة الأعراف الآية 185 .