أصول الاستدلال عليه بما لم يتركوا لمن بعدهم شيئا يذكر ، كان من الواجب النظر فيما قالوه بالذات بهذا الصدد :
قال القاضي عبد الجبار « 1 » - هو من أكابر شيوخ الاعتزال وأوسع من تكلم في هذا المذهب وكتب فيه الكتب الموسعة - :
« فإن قيل : وما تلك الدلالة الشرعية التي دلتكم على أن في المعاصي ما هو كبير وفيها ما هو صغير ، أفي كتاب اللَّه تعالى أم في سنة رسوله - صلى اللَّه عليه وآله - أم في اتفاق الأمة ؟
قيل له : اما اتفاق الأمة فظاهر على أن أفعال العباد تشتمل على الصغير والكبير .
غير انا نتبرك به ونتلو آيات فيها ذكر الصغير والكبير وما في معناه :
قال اللَّه سبحانه وتعالى « ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها - الكهف : 49 » .
وقال تعالى : « وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ - القمر : 53 » .
وقال : « وَكَرَّه َ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ - الحجرات : 7 » .
فرتب المعاصي هذا الترتيب ، بدأ بالكفر الذي هو أعظم المعاصي . وثناه بالفسق ، وختم بالعصيان . فلا بد من أن يكون قد أراد به الصغائر ، وقد صرح بذكر الكفر والفسق قبله .
هامش
« 1 » استدعاه الوزير الصاحب بن عباد في دولة آل بويه إلى الري وولاه قاضيا لقضاتها في سنة 367 ه . وشملت رئاسته القضاء في الري وقزوين وزنجان وقم ودماوند . ثمَّ أضيف إليه قضاء جرجان وطبرستان . وقد كان موضع إعجاب الوزير العظيم الشأن .