ثم لا يخفى أنّ مثل هذا العقد مهما صدر من أهله ، فإنه يجب على الطرفين الوفاء به ، ومع الشك في اشتراط زائد عن مقوماته ، فأصالة الإطلاق يلحقه بغير المشروط . فلا يكون مخالفته نقض عقد الذمة ، وإن كان ربما يترتب عليه سائر الجهات من الحد والتعزير ، الوارد في شرعنا على ارتكابه ، لولا تعزيرهم على مذهبهم ، الموجب لسقوط أمثال هذه العقوبات عنهم كما ربما تومئ إليه آية الصغار ، إذ الظاهر من قوله ( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله ِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ الله ُ وَرَسُولُه ُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) « 1 » انهم بإعطاء الجزية صاغرون يبقون على حالهم وتدينهم بغير دين الحق .
وذلك أيضا هو المنشأ لاستقرار السيرة على تقريرهم على مذهبهم ، وانه الأصل لهم إلاَّ ما خرج بالدليل ، بانكارهم لشيء أو إثبات عقوبة خاصة في حقهم ، نظير القتل في سب رؤساء المذهب والتعزير فيما دونه وغير ذلك .
* * *
ثم انّ شأن هذا العقد أن يصدر عمن له عقد الذمة لقطر أو ناحية ، وهو - كما سيأتي - ليس إلاَّ رئيس الجيش والذي أمر الحرب بيده إثباتا ورفعا في زمان مشروعية الجهاد وبسط يد الامام . وأما في غيره ففي كون الأمر في زمن الغيبة بيد الفقيه أو ذي الشوكة من المسلمين كلام سيجيء شرحه في مسألة الذمام وتعيين عاقده .
وتوهم أنّ نتيجة عقد الذمة رفع اليد عن الجهاد ، فكيف يتصور في زمن لا يشرع فيه الجهاد ، مدفوع بعدم اختصاص نتيجته بذلك ، بل عمدة النتيجة خروجهم بذلك عن الحربية وصيرورتهم محقوني الدم والمال ، وهذا المعنى يعم
هامش
« 1 » التوبة : 29 .