شرح
ما لم يقرّ بعموم رسالته ، فعلم من ذلك أنّ البراءة من أعداء الله جزء الإيمان ، وأن الله سائل عنها يوم القيامة ، لا محالة ولا ريب أنّ البراءة تحصل بكلّ ما دلّ على المعادات والمجانبة والقطيعة ، واللعن وان كان مما يدلّ على المجانبة والبراءة التزاما إلا أنّه لا يدلّ عليها صريحا لقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه : فأمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة ، وأمّا البراءة فلا تبرؤا منّي فانّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة ( 1 ) .
فإذا اقتصر المكلف على اللعن وقصد به البراءة أجزأه وفي هذه الحالة يكون واجبا وجزءا من الإيمان ومثابا عليه ، وإن أتى به مع البراءة كان أولى فيكون مستحبّا استحبابا مؤكّدا اقتداء بالآيات القرآنيّة في لعن أعداء الله تعالى .
الثالث : قال بعض المحقّقين من أصحابنا المتأخّرين كلّ فعل أو قول اقتضى نزول العقوبة بالمكلَّف من فسق أو كفر فهو مقتض لجواز اللعن ، لأنّ اللعن من الله تعالى هو الطرد والإبعاد من الرحمة وإنزال العقوبة ، فالفسق والكفر يقتضيانه ويدلّ عليه قوله : والخامسة أنّ لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين ( 2 ) رتّب اللعن على الكذب وهو انّما يقتضي الفسق ، وكذا قوله تعالى : والخامسة انّ غضب الله عليها ان كان من الصادقين ( 3 ) رتّب الغضب على صدقه في كونها زنت والزنا ليس بكفر ، وقوله تعالى : الا لعنة الله على الظالمين ( 4 ) أي كلّ ظالم لانّ الجمع المعرّف للعموم والفاسق ظالم لنفسه لما يرشد إليه قوله تعالى : فمنهم ظالم لنفسه ( 5 ) حيث جعله سبحانه قسيما للمقتصد والسابق بالخيرات .
وقد روي أنّ النبي صلَّى الله عليه وآله قال : لعن الله الكاذب ولو كان مازحا ( 6 ) .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 92 الخطب 57 .
( 2 ) سورة النور : الآية 7 .
( 3 ) سورة النور : الآية 9 .
( 4 ) سورة هود : الآية 18 .
( 5 ) سورة فاطر : الآية 32 .
( 6 ) المحجة البيضاء : ج 5 ص 221 .