شرح
الشام ، فالمراد إن صح ذلك النّهي من جعل السبّ خلقا لهم بسبب المبالغة فيه والإفراط في ارتكابه ، بحيث يلعن من يستحق ومن لا يستحق ، لا النّهي عن لعن المستحقين كما يزعمه هؤلاء المفترون ، ولو أراد ذلك لقال : لا تكونوا لاعنين ، فإن بينهما فرقا يعلمه من أحاط بدقائق لسان العرب .
ونقل ابن الجوزي من خطَّ القاضي أبي الحسين محمّد بن يزيد أن قوله عليه السلام : المؤمن لا يكون لعانا محمول على من لا يستحق ، وأمّا نهي أمير المؤمنين عليه السلام عن لعن أهل الشام فإنه عليه السلام كان يرجو اسلامهم ورجوعهم إليه كما هو شأن الرئيس المشفق على رعيّته ، ولذلك قال : ولكن قولوا : اللّهم أصلح ذات بيننا وهذا قريب من قوله تعالى في قصة فرعون : فقولا له قولا ليّنا ( 1 ) .
الثاني : قد يكون اللعن واجبا وجزءا للايمان إذا اقتصر المكلف عليه قاصدا به البراءة وبيان ذلك : انّ الله سبحانه كما أوجب موالاة أوليائه ومودّتهم أوجب معاداة أعدائه والبراءة منهم ولو كانوا أقرب الناس وألصقهم نسبا ، قال تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم ( 2 ) .
والمحاداة : المعاداة والمخالفة وهذه الآية ناطقة بوجوب معاداة أعداء الله وانّ مخالف ذلك لا يمكن أن يكون مؤمنا ويزيد ذلك إيضاحا انّ المشركين لم يكتف الشارع في إسلامهم واعتقادهم الإلهيّة لله سبحانه ونطقهم بها حتّى نفوها عن كلّ ما سواه ، وكلمة الشهادة ناطقة بذلك وان نحو اليهود إذا أسلم يطالب مع التلفّظ بكلمتي الشهادتين بأن يبرأ من كلّ دين يخالف دين الاسلام ، ولو كان من العيسويّة القائلين بأنّ محمدا رسول الله صلَّى الله عليه وآله نبيّ إلى العرب خاصة
هامش
( 1 ) المحجة البيضاء : ج 5 ص 221 - 222 .
( 2 ) سورة المجادلة : الآية 22 .