شرح
وفاعل هيهات في عبارة الدعاء ضمير مستتر عائد إلى الوفاء بحقّ الوالدين ، الذي أفهمه قوله بعده : « ما يستوفيان منّي حقّهما » ، كما قيل في قوله تعالى :
« هيهاتَ هيهاتَ لما تُوعَدُون » ( 1 ) : إنّ فاعله ضمير عائد إلى التصديق أو الصحّة أو الوقوع أو الإخراج ، المفهوم من قوله تعالى قبله : « أيَعِدكم أنّكم إذا مُتّم وكُنتُم تُرابا وعِظاما أنّكم مُخرَجون » ( 2 ) .
فإنّ قلت : ما قيل في الآية لا محذور فيه ، لأنّه كالإضمار بعد الذكر ، وأمّا ما ذكرته في الدعاء فهو كالإضمار قبل الذكر ، وهو محذور .
قلت : هو كقولهم في باب التنازع في نحو ضربني وأكرمت زيدا : إن فاعل ضربني مضمر قبل الذكر لأنّه قد جاء بعده ما يفسّره على الجملة ، وإن لم يجئ لمحض التفسير ، كما جاء في نحو : ربّه رجلا ، فلا استبعاد فيما ذكرناه ، وقد قال المعربون بمثل ما قلناه في قوله تعالى : « ثمّ بَدَا لَهم مِن بَعدِ ما رَأوا الآيات ليَسْجُنّنه » ( 3 ) : إنّ فاعل بدا إمّا مصدره ، أو الرأي المفهوم من السياق ، أو المصدر المدلول عليه بقوله ليسجنّنه ، والمعنى ، بدا لهم بداء ، أو رأي ، أو سجنه ، فالاحتمال الثالث هو نظير ما قلناه : في الدعاء ، ومن أجاز حذف الفاعل قال : هو محذوف وليسجنّنه قائم مقامه ، أي : وبدا لهم سجنه ، فحذف وأقيمت الجملة مقامه .
وعلى هذا ، فلك في عبارة الدعاء دعوى حذف فاعل هيهات وقيام الجملة بعده مقامه ، وهو ظاهر .
ومن الغريب ما توهّمه بعض المترجمين من جواز كون « ما » من قوله : « ما يستوفيان » مصدريّة ، وهي ومسبوكها فاعل هيهات ، والتقدير : هيهات استيفاؤهما منّي حقّهما ، مع أنّ قوله : « ولا أدرك ما يجب عليّ لهما » لا يبقى معه لهذا التوهّم
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : الآية 36 .
( 2 ) سورة المؤمنون : الآية 35 .
( 3 ) سورة يوسف : الآية 35 .