شرح
ولا مصلحة منهم ومن غيرهم ، وإيصال الأرزاق إليهم حيث لا شعور لهم بطرقها ، ولا قدرة لهم على تحصيلها واكتسابها ، مع عدم وجوده بوجه من الوجوه ، علم أنّ من كان كذلك كان قادرا على مستقبل أموره ومهمّاته ، وإيصال رزقه ومطلوبه ، فلا ينظر إلى الأسباب والوسائط ، ولا يتعلَّق قلبه بها أصلا ، فيستريح من مئونة الطلب .
وكذلك من حصلت له ثقة خالصة بالله تعالى في جميع أموره اعتمد عليه ، ووثق بكفايته ، وتمسّك بحوله وقوّته ، وترقّب التوفيق والإعانة منه ، دون الاعتماد على نفسه وحوله وقوّته وقدرته وعلمه وما يظنّه من الأسباب الضرويّة والعاديّة وغيرها ، فلا ينصب كلّ النصب في السعي لاكتساب الرزق ، وهذا معنى التوكّل على الله سبحانه .
لكن ينبغي أن يعلم أنّ التمسّك بالأسباب لا ينافي اليقين ، والثقة بالله جلَّت عظمته والتوكّل عليه ، إذ ليس معنى ذلك رفع اليد عن الأسباب والوسائط رأسا ، بل معناه عدم الاعتماد عليها والوثوق بها ، ومن ثمّ اشتهر أنّ التمسّك بالأسباب لا ينافي التوكّل ، فلو طلب طالب للرزق مثلا رزقه من أسبابه المشروعة ، كالتاجر من التجارة والزارع من الزارعة ، ولم يكن اعتمادهما على عملهما ، بل على الله سبحانه ، وعلى أنّ الرزق عليه إن شاء رزقهما من عمليهما هذين ، وإن شاء رزقهما من غيرهما ، حتّى لو فسد العمل لم يحزنا ، لم يكن ذلك منافيا لليقين والثقة بالله والتوكّل عليه . ومثل ذلك حمل الخائف من العدوّ السلاح ، وقفل الخارج من البيت بابه ، وشرب المريض الدواء ، فإنّه إذا لم يكن اعتماده على السلاح والباب والدواء ، إذ كثيرا ما يغلب العدوّ مع السلاح ، ويسرق السارق بكسر القفل ، ولا ينفع الدواء ، بل اعتمادهم على الله عزّ وجلّ ، لم يكن ذلك خارجا عن حدّ اليقين والثقة بالله والتوكّل عليه .