تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
اللهُمَّ إنَّكَ ابْتَلَيْتَنا في أرزاقِنا بِسُوءِ الظَّنِ ، وَفي آجالِنا بِطُولِ الأَمَلِ ، حَتّى التَمَسْنا أرزاقَنا مِنْ عِنْدِ المَرْزُوقينَ ، وَطَمِعْنا بِآمالِنا في أعمار المُعَمَّرينَ .
شرح
قال : عرض عليّ ربّي أن يجعل لي بطحاء مكّة ذهبا ، فقلت : لا يا ربّ ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك ( 1 ) . ودعاء سيّد العابدين عليه السّلام إذا قتر عليه الرزق داخل في هذا الباب ، والله أعلم . الابتلاء : الاختبار ، وابتلاء الله تعالى عبارة عن معاملته لعباده معاملة المبتلي المختبر ، لأنّه سبحانه عالم الخفيّات والسرائر وما كان وما يكون ، فلا يتصوّر في حقّه الاختبار حقيقة ، وقد تقدّم بيان ذلك مبسوطا في الروضة الأولى والروضة السادسة ، فليرجع إليه . وسوء الظنّ هنا : عبارة عن عدم اليقين بأنّ الأرزاق إنّما تكون من الله سبحانه وتعالى ، وأنّها صادرة عن قسمته الربّانية ، المكتوبة بقلم القضاء الإلهي في اللوح المحفوظ الذي هو خزانة كلّ شيء كما قال عزّ شأنه في محكم كتابه : « نحنُ قسمْنا بينهُمْ مَعيشتهم في الحياةِ الدُنيا » ( 2 ) ، وأنّ حصولها إلى المرزوقين بمقتضى قسمته تعالى ، كما قال الله سبحانه وتعالى : « وإنْ مِن شَيءٍ إلا عِنْدَنا خَزائنُهُ وما نُنزّلُه إلا بَقَدَرٍ معلُومٍ » ( 3 ) ، فلا يزيد فيه حيلة محتال ، ولا ينقص منه عجز عاجز ، فعدم اليقين بذلك إمّا شكّ فيه ، أو اعتقاد راجح بانّ الأمر على خلاف ذلك ، وكلّ منهما سوء ظنّ ناشئ من ضعف القلب لاستيلاء مرض الوهم عليه ، فإنّ الوهم كثيرا ما يعارض اليقين ، كمن تراه لا يبيت وحده مع ميّت وهو يبيت مع جماد ، مع علمه بأنّ
هامش
( 1 ) مسند أحمد بن حنبل : ج 5 ص 254 ، هذا من طريق العامة . وأما من طريق الخاصة : بحار الأنوار : ج 16 ص 279 ح 118 ، وص 220 ح 12 . ( 2 ) سورة الزخرف : الآية 32 . ( 3 ) سورة الحجر : الآية 21 .