شرح
للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذلَّه ، دابّته رجلاه ، وخادمه يداه ، فتأسّ بنبيّك الأطهر صلَّى الله عليه وآله ، فإنّ فيه أسوة حسنة لمن تأسّى ، عزاء لمن تعزّى ، وأحبّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّه ، والمقتصّ لأثره . إلى أن قال عليه السّلام : ولقد كان في رسول الله صلَّى الله عليه وآله ما يدلَّك على مساوئ الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصّته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظر بعقله ، أكرم الله محمّدا بذلك أم أهانه ؟ فإن قال :
أهانه ، فقد كذّب العظيم ، وإن قال : أكرمه ، فليعلم أنّ الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له ، وزواها عن أقرب الناس منه ، فتأسّى متأسّ بنبيّه ، واقتصّ أثره وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن الهلكة ، فإنّ الله جعل محمّدا صلَّى الله عليه وآله علما للساعة ، ومبشّرا بالجنّة ، ونذيرا بالعقوبة ، وخرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربّه ، فما أعظم منّة الله علينا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه ، وقائدا نطأ عقبه ، والله لقد رقّعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك فقلت : اعزب عنّي ، فعند الصباح يحمد القوم السرى ( 1 ) .
ومنها : إيثاره سبحانه لهم بالحضور في حضرته المقدّسة ، بالدعاء والابتهال والتضرّع والسؤال ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّ الله يبتلي العبد وهو يحبّه ليسمع تضرّعه ( 2 ) .
وعن ذلك كان يقول بعض أرباب القلوب : الدعاء يوجب الحضور ، والعطاء يوجب الصرف ، والمقام على الباب أشرف من الانصراف بالمبار ( 3 ) .
وعلى هذا ما روي عنه صلَّى الله عليه وآله من طريق العامّة والخاصّة ، أنّه
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 224 - 229 الخطب 160 .
( 2 ) مجموعة ورام : ج 2 ص 237 ، نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
( 3 ) لم نتحققه .