شرح الدعاء التاسع والعشرين
وكانَ مِن دُعائِهِ عَليهِ السّلامُ إذا قُتّر عليه الرزقُ .
شرح
قتر عليه قترا وقتورا - من بابي ضرب وقعد - وأقتر إقتارا وقتّر تقتيرا : ضيّق عليه في النفقة ، ومثله : قدر بالدال - من باب ضرب - ، ومنه قوله تعالى : « اللهُ يَبسُط الرزقَ لمنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ويَقدِرُ لَهُ » ( 1 ) .
والرزق اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فينتفع به ، فيكون متناولا للحلال والحرام ، هذا قول الأشعري .
وقالت المعتزلة : هو عبارة عن مملوك ينتفع به المالك ، فلا يكون الحرام رزقا .
وقد أسلفنا الكلام على هذه المسألة في الروضة الأولى فليرجع إليه .
واعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يبتلي أنبياءه وأولياءه وعباده الصالحين بتقتير الرزق ، لوجوه من الحكمة وضروب من المصلحة ، اقتضتها عنايته سبحانه بهم ، كما دلّ عليه صحيح الخبر ومستفيض الأثر .
منها : إكرامهم وصيانتهم عن الاشتغال بالدنيا وقنياتها والتنعّم بطيّباتها ، لما تقرّر من أنّ الدنيا والآخرة ضرّتان ، بقدر ما يقرب من إحداهما يبعد من الأخرى ( 2 ) . والأنبياء عليهم السّلام ومن سلك سبيلهم ، وإن كانوا أكمل الخلق نفوسا ، وأقواهم استعدادا لقبول الكمالات النفسانيّة ، إلا أنّهم محتاجون إلى الرياضات التامّة بالإعراض عن الدنيا وطيّباتها ، وهو الزهد الحقيقي ، وإلى تطويع نفوسهم الأمّارة لنفوسهم المطمئنّة بالعبادة التامّة ، كما هو المشهود من أحوالهم
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 62 .
( 2 ) مجموعة ورام : ج 1 ص 138 .