شرح
دنس المعاصي ، بسلوك سبيل الطاعة ، وتحرّي رضوانه ، وتجنّب سخطه ، ووقايته لها من الهلاك السرمدي والعذاب الأبدي ، بالقيام بالطاعات واجتناب الشهوات ، وكانت قدرته على ذلك مستندة إلى قدرته تعالى إذ هي مستندة جميع الموجودات ، وكلّ قدرة تنتهي إلى قدرته التي لا قدرة فوقها ، كان سبحانه أقدر على صلاح نفس عبده منه ، وقدرته تعالى على العبد وعلى ما كلَّفه به أغلب من قدرة العبد ، كيف ؟ وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلا به ، وكلّ موجود فهو في تصريف ملكه وقدرته .
والفاء من قوله « فاعطني » : فصيحة ، أي : إذا كان الأمر كذلك فاعطني من نفسي ما يرضيك عنّي ، أي : أفض على نفسي قوّة أستعدّ بها ما يرضيك عنّي .
وخذ لنفسك رضاها من نفسي أي : أقهر لها بصرفها عن التفاتها إلى غيرك حتّى ترضى . ولما كان هذا المعنى ربّما وصل إلى حدّ تشتغل فيه النفس المدبّرة للبدن عن النظر في صلاح البدن وتدبيره ، فيؤدّي إلى انحلال القوى البدنيّة واختلال حركاتها وعدم ضبطها ، فيفسد البدن أو يختلّ الذهن ، كما وقع لكثير من المحبّين والعارفين .
سأل عليه السّلام أن يكون ذلك في عافية ، ويحتمل أن يكون الغرض من هذا القيد ، أنّه عليه السّلام لمّا سأل أخذه تعالى لنفسه رضاها من نفسه ، وكان ذلك عامّا لكونه في عافية أو بلاء ، خشي أن يكون ذلك إظهارا للتجلَّد ، وإيذانا بطاقة تحمّله لجميع ما يكون فيه رضاه سبحانه من عافية وبلاء ، فاحترز عن البلاء بقوله :
« في عافية » .
كما يحكى أنّ ابن الفارض لمّا أنشدّ قوله :
وبما شئت في هواك اختبرني * فاختياري ما كان فيه رضاكا
ابتلى بحصر البول ، فأمر أن يحمل ويطاف به على مكاتب الأطفال ، وجعل