شرح
وطاعته ، فهو الجاه المحمود الذي سأل الله حفظه عليه باليسار وعدم الإقتار ، وهو الذي امتنّ الله سبحانه على الأنبياء ، كقوله : « يا مريمُ إنّ الله يبشّركِ بكلمةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى بن مريم ، وجيها في الدنيا والآخرة » ( 1 ) .
وما أريد به الفخر والترؤس في الدنيا فهو المذموم .
وفي الحديث النبوي : إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقف بين يديه ، فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله ( 2 ) .
قوله عليه السّلام : « فأسترزق أهل رزقك » . الفاء : للسببيّة ، أي : فبسبب ابتذال جاهي بالإقتار أسترزق أهل رزقك ، الذين من شأنهم أن يكونوا مرزوقين لا أن يطلب منهم الرزق ، وأستعطي شرار خلقك الذين ليسوا بأهل الاستعطاء ، وظاهر أنّ الحاجة قد تدعو إلى ذلك . والفعلان منصوبان ، أمّا الأول فبأنّ مضمرة بعد فاء السببيّة وجوبا ، لوقوعه جوابا للدعاء ، وأمّا الثاني فبالعطف على الأوّل .
وفي بيانه عليه السلام لهذا السبب تأكيد للالتجاء بالله تعالى في إعادته من الفقر وصيانته عنه ، إذ كان في استرزاق الخلق من الذلّ والخضوع للمطلوب منه ، ومهانة النفس واشتغالها عن التوجّه إلى المعبود ، ما يجب أن يستعاذ بالله منه ، ويضرع إليه في الوقاية عنه ، وفي استعطاء الأشرار ما يستلذّ معه ذو المروّة طعم العلقم ، ويستحلي مذاق الصبر وسمّ ( 3 ) الأرقم .
وقد تواترت الروايات والآثار ، وتطابقت الأخبار والأشعار ، على ذمّ السؤال وكراهيّة بذل الوجه في الطلب إلى الناس ، خصوصا ممّن لم يكن معروفا بالمعروف .
فمن ذلك ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السّلام ، قال :
قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : إنّ الله تبارك وتعالى أحبّ شيئا لنفسه وأبغضه
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 45 .
( 2 ) الجامع الصغير : ج 1 ص 34 ، وفيه : « من عبيده فيقف » .
( 3 ) ( ج ) : مسم .