تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
شرح
ولا عبوديّة أشرف منها . قوله عليه السّلام : « واستكثار الشرّ » إلى آخره ، سؤال للوقاية من التهاون بما يكتسبه أو اكتسبه من الشرّ قولا وفعلا . والظاهر من الكثرة والقلَّة في الفقرتين بحسب الكمّ ، سواء كان الخير أو الشرّ في نفسه كبيرا أو صغيرا ، ويحتمل أن يراد بهما بحسب الكيف والمقدار ، وأيّا ما كان ففي الفقرتين تنبيه على أنّ العمل الصادر من العبد إن كان خيرا وطاعة ، فليعدّ نفسه مقصرّة في الكمّ والكيف ، وإن كان كثيرا بالنسبة إلى وسعه ، لأنّ ذلك أدخل ( 1 ) في تعظيم الربّ ، وأبعد من العجب والاعتماد عليه ، وأقرب إلى البقاء عليه والسعي فيه ، ومقام العبوديّة المبنيّة على التذلَّل والاعتراف بالتقصير ، وإن كان شرّا ومعصية فليعدّه كثيرا عظيما ، وإن كان قليلا حقيرا في نفسه ، لأنّه بالنظر إلى مخالفة الربّ العظيم عظيم كثير ، واستقلاله موجب لعدم المبالاة به والاعتناء بشأنه ، وسبب للولوع به وإتيانه مرّة بعد أخرى ، حتّى تجتمع عليه شرور عديدة وذنوب كثيرة وتبلغ حدّ الكبيرة . وفي الحديث عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام : لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلَّوا قليل الذنوب ، فإنّ قليل الذنوب يجتمع حتّى يكون كثيرا ( 2 ) . وأعلم أنّ الواقع في أكثر النسخ ذكر القول والفعل معا في بيان الخير ، والاقتصار على الفعل في بيان الشرّ . فوجّهه بعضهم بما نصّه : يقال : فلان قال خيرا وفعل خيرا ، وهذا شائع ، وقد يقال : قال شرّا ، وقولهم : فعل شرّا قليل ، فلعلَّه عليه السّلام ذكر استكثار الشرّ من الفعل لأنّ المقام مقام استكثار القليل ، وإذا حصل استكثار القليل من القليل الذي هو الفعل ، فممّا هو كثير بالنسبة إليه بطريق أولى .
هامش
( 1 ) ( ج ) : أدخر . ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 287 ح 2 .