شرح
ولذلك قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : شيّبتني سورة هود ( 1 ) يعني قوله تعالى فيها : « فاسْتَقِم كما أمِرتَ » ( 2 ) ، وهي جامعة لجميع أنواع التكاليف .
قال بعض العلماء : إنّ الطاعة لا تعدّ طاعة وفضيلة ما لم تستجمع معاني أربعة :
أن يكون صاحبها عالما بشرائطها ، وفاعلا لها على سبيل الطوع والاختيار ، ولا يختارها إلا لاعتقاد حسنها في نفسها اعتقادا راسخا ، وأن يدوم اختياره لذلك فلا يزول ، فلن تخلص الطاعة ولن يستقيم السعي إلا بمجموع هذه الخصال الشاقّة .
حتّى قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : استقيموا ولن تحصوا ( 3 ) .
وحتّى أخبر عن نفسه فقال : شيّبتني سورة هود ( 4 ) .
وحتّى قيل : الاستقامة لا يطيقها إلا الأنبياء وأكابر الأولياء ، لأنّها الخروج عن المعهودات ، ومفارقة الرسوم والعادات ، والقيام بين يدي الله على حقيقة الصدق ، بحيث لا يشوب معاملته مع الله فترة ، ولا تصحب مسيره إليه وقفة ، يعتبر بما يرى في الدنيا من غير شهوة ، ويتفكّر في المعاد من غير غفلة ، يستقلّ الكثير من طاعته إزراء على نفسه ، ويستعظم اليسير من إحسان ربّه إجلالا لوجهه ، وينصف من نفسه ولا ينتصف لها ، ويعمل بجوارحه ولا يعمل بهواها ، فإذا وجدت فيه هذه الأمارات صار صاحب الاستقامة وأهل الكرامة .
وفي نهج البلاغة من خطبة له عليه السّلام : وإنّي متكلَّم بعدة الله وحجّته ، قال الله جلّ ذكره : « إنَّ الَّذينَ قالوا ربُّنا الله ثمّ استَقاموا تَتَنَزَّلُ عليهِمُ الملائِكةُ ألا تَخافوا ولا تحزّنوا وأبْشِروا بالجنّةِ التي كنتم توعدون » ، وقد قلتم : ربّنا الله ، فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ، ثمّ
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 5 - 6 ص 140 ، التفسير الكبير للفخر الرازي : ج
18 ص 71 .
( 2 ) سورة هود : الآية 112 .
( 3 ) الجامع الصغير : ج 1 ص 40 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 5 - 6 ص 140 ، التفسير الكبير للفخر الرازي : ج 18 ص
71 .