شرح
الخيانة وتضييع رأس المال ، كالعبد الخائن إذا انفرد بمال سيّده .
الثالثة : المحاسبة ، وهي أنّ يحاسبها بعد الفراغ من العمل ، ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها أوّلا ، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى ، فتدقيق الحساب في هذا أهمّ من التدقيق في أرباح الدنيا ، لحقارتها بالنسبة إلى نعيم الآخرة ، فلا ينبغي أن يترك مناقشتها في ذرّة من حركاتها وسكناتها وخطراتها ولحظاتها ، فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها ، يمكن أن يشتري به كنز من كنوز الآخرة لا يتناهى نعيمه ولا يظعن مقيمه . قالوا : وينبغي للإنسان أن يخلو عقيب فريضة كلّ صبح بنفسه ، ويقول لها : أي نفس مالي بضاعة إلا العمر ، ومهما فنى فقد فني رأس مالي ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح ، وهذا يوم جديد قد أمهلني الله فيه ، ولو توفّاني لقلت : « رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلَّي أعْمَلُ صَالِحا فِيْما تَرَكْتُ » ( 1 ) ، فاجيبني أنّك توفيّت ثمّ رردت ، فإيّاك وتضييع هذا اليوم والغفلة فيه .
الرابعة : المعاتبة والتوبيخ ، وقد علمت أنّ لك نفسا أمّارة بالسوء ميّالة إلى الشّر ، وقد أمرت بتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربّها وطاعة خالقها ، فسبيل المعاتبة والتوبيخ أن تعدّد للنفس عيوبها ، وتذكّر لها ما هي عليه من الجهل في ارتكاب المعاصي وانحرافها عن سلوك سبيل الله ، لتذلّ وتنكسر فتضعف سورة شهوتها ، وتستعدّ بذلك إلى استنزال رحمة الله تعالى ورأفته ، كما أرشد إليه سيد العابدين وإمام المتّقين في هذا الدعاء .
قال بعض العارفين : اعلم أنّ النفس شرد جموح ( 2 ) ، فإن أهملتها لم تظفر بها بعد ذلك ، وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة واللَّائمة كانت نفسك هي النفس اللوّامة .
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : الآية : 99 و 100 .
( 2 ) الجموح : هو الراكب هواه ، المصباح المنير : ص 147 .