شرح
إذا عرفت ذلك فقوله عليه السلام : « وأشبه الأشياء بمشيتك » لا يجوز أن يراد بالمشيئة المعنى الأوّل إلا على حذف مضاف ، تقديره : وأشبه الأشياء بمقتضى مشيئتك ، أي : ما يقتضيه علمك بالمصالح والخيرات .
وحذف المضاف كثير واقع في فصيح الكلام ، ومنه قوله تعالى : وجاء ربّك والملك ( 1 ) ، أي : أمر ربّك ، واسئل القرية ( 2 ) ، أي : أهلها .
ويجوز أن يراد بها المعنى الثاني على معنى أنّ أشبه الأشياء باحداثك الأفعال وإيجادك إيّاها إحداثك رحمة من استرحمك ، وإنّما قال ذلك لما ثبت من أنّ مشيئته تعالى لا تتعلَّق إلا بكلّ خير ومصلحة ونظام في العالم ، وأمّا ما يرى فيه من الشرور فهي شرور قليلة لازمة لبعض الخيرات ، لو لم توجد لأجلها كان يلزم شرور كثيرة ، فهذه الشرور والآفات التي في عالمنا هذا داخلة في مشيئة الله الأزليّة بالعرض وعلى سبيل التبع ، لا بالذات وعلى سبيل القصد الأوّل .
وأولى : أي أحرى وأخلق .
وفي عظمتك : حال من ضمير المخاطب في « بك » .
وفي : للظرفيّة المجازيّة ، أي : متمكّنا في عظمتك تمكّن الحال في المحلّ ، فهو على سبيل الاستعارة التبعيّة .
وعظمته تعالى تجاوز قدرة حدود العقول حتّى لا تتصوّر الإحاطة بكنهه وحقيقته ، وإنّما كان أولى الأمور به تعالى رحمة من استرحمه ، لأنّ الرحمة من مقتضيات ذاته المقدّسة ، بخلاف الغضب والسخط ونحوهما ، فإنّه من مقتضيات
هامش
( 1 ) سورة الفجر : الآية 22 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية 82 .