وَمَلَكَةِ الحَميَّةِ .
شرح
أصدق في ذلك قول المتنبّي إذا تصوّر في وصف الشهوة :
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ ( 1 )
وأيضا فهذه الشهوة هي المشوّقة لعامة الناس إلى لذّات الجنّة من المأكل والمشرب والمنكح ، إذ ليس كلّ الناس يعرف اللذات المعقولة ، ولو توهّمناها مرتفعة لما تشوّقوا إلى ما وعدوا به من قول النبيّ صلَّى الله عليه وآله : فيها ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( 2 ) . الملكة بفتحتين : اسم من ملكت الشيء ملكا - من باب ضرب - .
يقال : هو ملكة بالكسر ، وله عليه ملكة بفتحتين .
والحميّة بتشديد الياء المثناة من تحت : الأنفة ، كأنّها فعيلة بمعنى مفعولة من الحماية ، اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون ، وهي ضربان :
حميّة محمودة : وهي المستعملة في صيانة كلّ ما يلزم الإنسان صيانته من دين أو أهل أو بلد ، وتسمّى الغيرة ، ولذلك قيل : ليست الغيرة ذبّ الرجل عن امرأته ، ولكن ذبّه عن كلّ مختصّ به . وهذه الحميّة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي يتفاضل فيها أهل المجد والشرف .
وحميّة مذمومة : وهي المستعملة في الاستكبار عن الحقّ والتطاول على الخلق ، وتسمّى العصبية وحميّة الجاهليّة . وهي من لوازم الغضب مع الفخر والعجب والكبر ، لأنّها تنشأ من تصوّر الموذي مع الترفّع على فاعله واعتقاد الشرف عليه ، وهو من طغيان النفس الأمارة ونفثات الشيطان فيها بأنّ التواضع للحقّ من
هامش
( 1 ) ديوان أبو الطيب المتنبي : ص 155 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 8 ص 92 .