تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
شرح
أمة بعدنا يرسل إليها رسول كما أنّ نبيّنا صلَّى الله عليه وآله ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، فلا أحد ينبئ بعده ولا يقدح فيه نزول عيسى عليه السّلام بعده ، لأنّه ممّن نبّئ قبله وحين ينزل إنّما ينزل عاملا على شريعة محمّد صلَّى الله عليه وآله مصلَّيا إلى قبلته كأنّه بعض أمته . قوله عليه السّلام : « وجعلنا شهداء على من جحد » الشهداء : جميع شهيد ، فعيل بمعنى فاعل من شهد على الشيء : اطَّلع عليه وعاينه ، فهو شهيد وشاهد . وجحده حقّه يجحده جحدا وجحودا ، من باب منع : أنكره ، ولا يكون إلا على علم من الجاحد به ، وفي هذه الفقرة إشارة إلى قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيدا ( 1 ) . والوسط في الأصل : اسم لما تستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة ، ثم استعير للخصال المحمودة البشريّة ، لكن لا لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محوّطة كما قيل ، فإنّ تلك العلامة بمعزل من الاعتبار في هذا المقام ، إذ لا ملابسة بينها وبين أهليّة الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور ، بل كون تلك الخصال ، أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط ، كالعفّة التي طرفاها : الفجور والخمود وكالشجاعة التي طرفاها : التهوّر والجبن ، وكالحكمة التي طرفاها : الجربزة والبلادة ، ثمّ أطلق على المتّصف بها مبالغة كأنّه نفسها ، وسوّى فيه بين المفرد والجمع والمذكّر والمؤنّث رعاية لجانب الأصل كساير الأسماء التي يوصف بها ، أي جعلناكم متّصفين بالخصال الحميدة ، خيارا ، عدولا ، مزكّين بالعلم والعمل لتكونوا شهداء على الناس بأنّ الله تعالى قد أوضح السبل فأرسل الرسل فبلَّغوا ونصحوا إذ كنتم واقفين على الحقايق المودعة في الكتاب المبين
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 143 .