تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
شرح
وذلك أنّه تعالى ركّب الخلق على أصناف أربعة . أحدها : ما يشبه القائمين كالأشجار . ثانيها : ما يشبه الراكعين كالبهائم . وثالثها : ما يشبه السّاجدين كالحشرات التي تدبّ على وجوهها وبطونها . ورابعها : ما يشبه القاعدين كالجبال . ثمّ إنّه سبحانه خلق الإنسان قادرا على جميع هذه الهيئات ومكّنه من ذكره على جميع هذه الأحوال كما قال تعالى : الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياما وَقُعُودا وَعَلى جُنُوبِهِمْ س ( 1 ) . وقد يراد بالخلق ما يعمّ الخلق الباطن فيكون حسن خلقه من حيث إنّ بارئه عزّ وجلّ خلقه في أحسن صورة كما مرّ ، وركّبه من الأشياء المتفاوتة والأمزجة المختلفة ، وقسّم جوهره روحا وبدنا وخصّصه بالفهم والعقل وزيّن ظاهره بالحواس الظاهرة وباطنه بالحواس الباطنة ، وأفاض عليه النّفس النّاطقة وزيّنها بالفكر والذّكر والحفظ لتكون أميرا والعقل وزيره ، والقوى جنوده ، والحسّ المشترك بريده ، والبدن محلّ مملكته ، والأعضاء خدمه ، والحواس يسافرون في عالمهم يلتقطون الأخبار الموافقة والمخالفة يعرضونها على الحسّ المشترك الذي هو بين الحواس والنّفس على باب المدينة وهو يعرضها على قوّة العقل ليختار ما يوافق ويطرح ما يخالف ، فمن هذا الوجه قالوا : إنّ الإنسان عالم صغير ، ومن حيث إنّه يتغذى وينمو قالوا : إنّه نبات ، ومن حيث إنّه يحسّ ويتحرّك قالوا : إنّه حيوان ، ومن حيث إنّه يدرك حقائق الأشياء قالوا : إنّه ملك ، فصار مجمعا لهذه المعاني وليس في خلق الله ما يجمعها غيره .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 191 .