شرح
ووحدانيّته بمعنى انّه لا ثاني له في الوجود ، بمعنى أنّه لا كثرة فيه مطلقا لا في عين الذّات لانتفاء التركيب والأجزاء ، ولا في مرتبة الذّات لانتفاء زيادة الوجود ، ولا بعد مرتبة الذات لانتفاء زيادة الصفات ، وقد يقصد بها معنى إنّه لم يفته من كماله شيء بل كلّ ما ينبغي له فهو له بالذات والفعل ، إذ الواحد قد يقال لما لم يفته من كماله شيء بل كلّ كمال ينبغي له فهو حاصل له بالفعل .
والمعنى الأوّل هو المشتمل عليه أوّل كلمة نطق بها الدّاعي إلى الله تعالى وهو قول : « لا إله إلا الله » .
ولمّا كان للتّوحيد مراتب أكملها الإخلاص فيه حمده سبحانه على الدلالة عليه ، ومراتبه أربع :
أوّلها : قول يقال : كتوحيد المنافق والمسلم من خوف السّيف المشهور عليه .
والثّانية : تصديق يعتقد كتوحيد عامة المسلمين .
والثّالثة : يقين يستبصر بواسطته نور الحقّ فيرى أشياء كثيرة ولكن صدورها على كثرتها من الواحد الفرد ، وهو مقام المقرّبين كأنّهم قرّبوا إلى منتهى المقامات ، وبشّروا بطلوع ثنيّات المكاشفات .
أليس لتقريب المنازل فرحة ولا فرحة العطشان فاجأه القطر يقولون قد جاز الثنية رحله فتنتشر البشرى وينشرح الصدر الرّابعة : كشف عن مشاهدة الصدّيقين فلا يرى في الوجود إلا واحدا وهو الذي تسمّيه الصّوفيّة الفناء في التّوحيد ، لأنّه من حيث لا يرى إلا واحدا لا يرى نفسه أيضا ، فيفنى بواحدة عن كلّ ما سواه ويفنى عن نفسه أيضا فلا يراه .
فالأوّل : موحّد بمجرّد اللَّسان ، ويعصم ذلك صاحبه في الدّنيا ، ويوفّيه حظَّه منها فلا يراق له دم ، ولا يباح له حريم ، ولا يحرم من مغنم ، ولا يستحرم منه في منكح ولا مذبح .