تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
شرح
ثمّ الطريق الأوّل لا يمكن إلا بفناء هويّة الممكن واندكاك جبل إنيّته ( 1 ) ولم يتيسر لأحد من الأنبياء في دار الدّنيا فضلا عن غيرهم . والطريق الثّاني لا أثر له في ساحة قدسه جلّ شأنه لأنّه بسيط صرف لا تركيب فيه أصلا لا ذهنا ولا خارجا ، واجب لذاته مبدأ لجميع ما سواه وإليه تنتهي الآثار كلَّها فلا فاعل له خارجا عن ذاته ولا سبب له داخلا في ذاته ، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا . فبقى الطريق الثالث ، والعلم الحاصل منه علم ناقص لا يعلم به خصوصيّة ذات المعلوم لأنّ الأثر والمعلول لا يستدعيان إلا سببا ما وعلَّة ما على وجه كلَّي لا مؤثّرا معيّنا وعلَّة معلومة ، بل غاية ما يستفاد منه انّا إذا نظرنا إلى أجزاء العالم ووجود الحوادث والحركات على أتقن وجه وأحكمه علمنا أنّ في الوجود خالقا قيّوما أزليّا واحدا لا شريك له ولا شبيه عالما قادرا موصوفا بالصّفات الحسنى والأمثال العليا والكبرياء والآلاء وهذه الطريقة يشترك في سلوكها جميع أرباب العقول من العالمين حتّى الأنبياء والمرسلين كما قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرى إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ ( 2 ) وإن كان سلوكهم ووصولهم على تفاوت مراتب عقولهم ، ألا ترى إنّك تستدلّ بملكوت السّماوات وحركات الكواكب وبزوغها وأفولها على صانعها ومدبّرها كما استدلّ بها خليل الرحمن ولكن لا يحصل لك من ذلك إلا علم ضعيف لا يكاد يمازجه إيمان ولا إيقان حتّى لو وقعت في أدنى بليّة جعلت تلوذ بكلّ من تتوهّم إنّه ينجيك ( 3 ) منها . والذي حصل له ( عليه السّلام ) .
هامش
( 1 ) ( الف ) : أينيته . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 75 . ( 3 ) ( الف ) و ( ج ) : لمنجيك .