شرح
فتدركه النفس مشاهدة .
وإنّما قصرت الأبصار عن رؤيته تعالى لأنّ المرئيّ بالبصر يجب أن يكون في جهة وهو تعالى منزّه عنها ، وإلا وجب كونه عرضا أو جوهرا جسمانيّا ، وهو محال .
هكذا استدلّ أهل الحقّ على نفي الرؤية .
واعترضه الغزالي ( 1 ) بأنّ أحد الأصلين من هذا القياس مسلَّم ، وهو إنّ كونه في جهة يوجب المحال ولكنّ الأصل الآخر وهو ادّعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع ، فنقول : لم قلتم إنّه إن كان مرئيّا فهو في جهة من الرائي ؟ أعلمتم ذلك ضرورة أم بنظر ؟ لا سبيل إلى دعوى الضرورة .
وأمّا النظر فلا بدّ من بيانه ، ومنتهاهم أنّهم لم يروا إلى الآن شيئا إلا وكان في جهة من الرائي مخصوصة ، ولو جاز هذا الاستدلال لجاز للجسم أن يقول : إنّ الباري تعالى جسم ، لأنّه فاعل ، فإنّا لم نر إلى الآن فاعلا إلا جسما .
وحاصله يرجع إلى الحكم بأنّ ما شوهد وعلم ينبغي أن يوافقه ما لم يشاهد ولم يعلم ( 2 ) .
وأجاب بعض المحقّقين من أصحابنا المتأخّرين : بأنّ دعوى كون المرئيّ بهذه العين مطلقا يجب أن يكون في جهة ليس مبناهم على أنّ المرئيّات في هذا العالم لا تكون إلا في جهة حتّى يكون من باب قياس الغائب على الشاهد ، بل النظر
هامش
( 1 ) هو أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الملقب ب ( حجة الإسلام الطوسي ) ولد في طوس سنة ( 445 ) هجرية ، وتوفي فيها سنة ( 505 ) هجرية ، وعرف بالغزالي نسبة إلى الغزال حكي أن والده كان يغزل الصوف ويبيعه ، وقيل نسبة إلى غزالة من قرى طوس . مال إلى طريقة الصوفية وألف فيها كتبا أشهرها كتاب الإحياء ، ويعد من فقهاء الشافعية كتب البسيط والوسيط ، والوسيط والوجيز ، والخلاصة في الفقه .
الكنى والألقاب : ج 2 ، ص 450 .
( 2 ) احياء علوم الدين للغزالي : ج 1 ، ص 187 .