شرح
بصحّته عن الصّديقين ، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للانكار ولا مجال للعناد ، والسبب العقليّ فيه إنّ كيفيّة علم الله تعالى وقضائه غير معلومة للبشر ، غائبة عن العقول والحكمة الإلهيّة ، تقتضى أن يكون العبد معلَّقا بين الخوف والرجاء الَّلذين بهما تتمّ العبوديّة وبهذا الطريق صحّحنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وبجريان قضائه وقدره في الكلّ .
وما روى عن جابر انّه جاء سراقة بن مالك فقال : يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم أفيما جفّت به الأقلام ، وجرت به المقادير ، أم فيما يستقبل ؟ فقال : بل فيما جفّت به الأقلام ، وجرت به المقادير ، قال : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له ( 1 ) وكلّ عامل يعمله منبّه على ما قلناه فانّه ( صلَّى الله عليه وآله ) علَّقهم بين الأمرين ، رهّبهم بسابق القدر ، ثم رغَّبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، فقال : كلّ ميسّر لما خلق له يريد أنّه ميسّر في أيّام حياته للعمل الَّذي سبق به القدر قبل وجوده .
إلا انّك يجب أن تعلم الفرق بين الميسّر والمسخّر كي لا تغرق في لجّة القضاء والقدر ، وكذا القول في باب الرزق والكسب .
والحاصل : إنّ الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم ومن جملة الوسائط والوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد ، فلعلّ الله سبحانه قد جعل دعاء العبد سببا لبعض مناجحه ، فإذا كان كذلك فلا بدّ أن يدعوا حتّى يصل إلى مطلوبه ، ولم يكن شيء من ذلك خارجا عن قانون القضاء السابق وناسخا للكتاب المسطور ( 2 ) انتهى كلامه .
هامش
( 1 ) مسند أحمد : ج 3 ص 293 .
( 2 ) غرائب القران ورغائب الفرقان : ج 1 ، ص 193 . مع زيادة ونقيصة .