قال : وأنزل الله تعالى فيهم : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارِ .
شرح
ألم تر : الهمزة للتقرير ، ومعناه حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده ثبوته أو نفيه وهو هنا تقرير لمن سمع بقصّتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار وتعجيب ( 1 ) من حالهم وشأنهم البديع فانّ سماعهم لها بمنزلة الرؤية النظريّة أو العلميّة أو لكلّ أحد ممّن له حظَّ في الخطاب إيذانا بأنّ قصّتهم من الشهرة والشياع بحيث يحقّ لكلّ أحد أن يحمل على الإقرار برؤيتهم وسماع قصّتهم ويعجب بها وإن لم يكن ممّن رآهم أو سمع بقصّتهم فانّ هذا الكلام قد جرى مجرى المثل في مقام التعجّب لما أنّه شبّه حال غير الرائي بشيء عجيب بحال الرائي له بناء على ادّعاء ظهور أمره وجلائه بحيث استوى في إدراكه الشاهد والغائب ثمّ أجرى الكلام معه كما يجري مع الرائي قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجّب وتعدية الرؤية ب ( إلى ) على تقدير كونها بمعنى الابصار باعتبار معنى النظر وعلى تقدير كونها بمعنى العلم لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى : ألم ينته علمك إليهم .
وعلى هذا يجوز أن يكون النبيّ ( صلَّى الله عليه وآله ) لم يعرف هذه القصّة إلا بهذه الآية ويجوز أن يقال : كان العلم بها سابقا على نزول الآية ، ثمّ إنّه تعالى أنزل الآية على وفق ذلك .
قوله تعالى : بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرا ( 2 ) أي : شكر نعمته بأن وضعوا موضعه كفرا عظيما لأنّ التنكير للتعظيم أو بدّلوا نفس النعمة كفرا فإنّهم لمّا كفروا بها سلبوها فصاروا مستبدلين بها كفرا .
وأحلَّوا أيّ : أنزلوا قومهم الَّذين شايعوهم على الكفر بحملهم عليه ، وعدم
هامش
( 1 ) ( الف ) : تعجب .
( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 28 .