من الأعمال المهمّة التي قام به الشيخ شلتوت تأسيس قسم الفقه المقارن في جامعة الأزهر « 1 » .
هامش
الاثني عشريّة من خلال الشهيدين الأوّل والثاني .
ولو أردنا أن نلخّص أثر التقريب في مجال الفقه على السنّة والشيعة لوجدنا أثره في مجال الفقه السني يتمثّل في التأكيد على مبدأ الاجتهاد وتوسيع دائرة الفقه الواقعي الذي يلائم مصلحة الناس ويلبّي مطالب التشريع ، بعد الخروج من ضيق المذهب الواحد إلى سعة المذاهب الإسلامية المتعدّدة .
أمّا أثره في مجال الفقه الشيعي فنجده في تجاوز العزلة التي أدّى إليها حصر المذاهب في الأربعة السنّية المعروفة ، وهو حصر أدّى - كما قال العلّامة تقي الدين القمّي - ببقية المذاهب إلى الاعتزال أو الاندثار ، وكان الاعتزال من نصيب المذهب الشيعي الذي مكّنه التقريب من تجسير الفجوة وإنهاء المقاطعة التي عزلت هذا الفريق الكبير من المسلمين عن بقية إخوانهم ، ثمّ مكّنت فقه الفريقين من مقاومة الاستجلاب التشريعي والغزو الثقافي ، وما أجلّها من مهمّة ، وما أصعبها أيضاً ! ( الإمامان البروجردي وشلتوت رائدا التقريب : 237 - 239 ) .
( 1 ) كان من الطبيعي لشخصية علمية كالشيخ شلتوت ، الذي يلمّ بالآراء المتعدّدة في مجال الفقه الإسلامي ، ويدرك الحجج والأدلّة التي يستند إليها الفقهاء في القضايا المختلفة ، أن يعني بالفقه المقارن ، ويوليه اهتمامه ، خاصّة وأنّه يحتاج إلى الاطّلاع على فقه المذاهب المختلفة عندما يتعرّض للفتوى في مسألة من المسائل ، ولهذا وجدناه يضع الفقه المقارن في دائرة اهتمامه ، وتكون كتابته في كثير من القضايا متعرّضة لبيان أكثر من رأي في القضية المعروضة ، ثمّ يبدي رأيه المعتمد على الأدلّة .
وقد أثمر اهتمامه بالفقه المتقارن كتاباً اشترك فيه مع شيخ معاصر له هو الشيخ محمّد علي السايس ، وسمّيا هذا الكتاب باسم « مقارنة المذاهب في الفقه » ، بيّنا فيه فائدة المقارنة والأسباب التي أدّت إلى اختلاف أئمّة الفقه الإسلامي ، واشتمل على كثير من المسائل في الطهارة والصلاة والزكاة والزواج والطلاق والقضاء والميراث .
وكان يقوم بتدريس هذا الكتاب لطلّاب كلّية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف ، ممّا كان له أثر في تعرّف الطلّاب على الآراء المتعدّدة في القضايا المختلفة ، وترسيخ احترام الآراء المتعدّدة ، وتهيئة الطلّاب نفسياً لقبول حكم في مذهب فقهي آخر غير المذهب الذي ينتمي إليه هؤلاء الطلّاب . . ولا يخفى ما لهذا من أثر في تخفيف حدّة التعصّب لمذهب فقهي معيّن .
وكان لفتواه بجواز التعبّد بأيّ مذهب فقهي إسلامي معتبر أساسها الذي تعتمد عليه ، ذلك أنّ الفرق الإسلامية التي تؤمن بثوابت الإسلام لا تختلف في آرائها إلّافي المسائل الظنّية ، التي لا يقطع فيها برأي دون رأي آخر ، وما عدا المسائل الظنّية لا يتصوّر ولا يقع فيها الاختلاف بين علماء سائر المذاهب الإسلامية المعتبرة .
وأصبح الاتّجاه إلى ذكر آراء سائر الفرق والمذاهب الإسلامية منهجاً يتّبع في الكتابات الفقهية المقارنة ، وتوجيهاً يوجّه إليه طلّاب الدراسات العليا في كلّيات الشريعة بجامعة الأزهر الشريف . ( الإمامان البروجردي وشلتوت رائدا التقريب : 213 - 214 ) .