هامش
مع كلّ المذاهب : « ولو ذهبنا نستقرئ أفراد المضارّ التي تنشأ من التقيّد بمذهب واحد في المحاكم الشرعية لخرجنا إلى حصر ما لا يبلغه الحصر ، وعدّ ما لا يستوعبه العدّ » .
لقد كانت الدعوة إلى الانفتاح الفقهي على المذاهب الأربعة فكرة راودت بعض رجال الإصلاح من قبل ، أشار إليها الكواكبي في « أُمّ القرى » ، وظهر لها دعاة في المغرب العربي ، ولكنّها في مصر بعد عصر الأُستاذ الإمام تحوّلت إلى تيّار فاعل في الحياة الفقهية والتشريعية ، له أسبابه ودواعيه ، ونادى الكثيرون بكتاب جامع للفروع الفقهية في المذاهب الأربعة ، يضمّ ما هو أيسر على الناس في العبادات وأضبط لأُمورهم في المعاملات ، بل هي دعوة ذات شقّين :
الأوّل : كتاب جامع لفقه الفروع في المذاهب الأربعة مع التخيّر مراعاةً لحال الناس ، وفي هذا الصدد صدرت مؤلّفات كثيرة ، كانت ذروتها اللجنة التي شكّلت من علماء المذاهب الأربعة في الأزهر الشريف برئاسة شيخ الأزهر في أوائل العشرينات من القرن الماضي ، واستهدفت إعداد كتاب فقهي على المذاهب الأربعة ، وضع له نموذج وافقت عليه اللجنة في 11 فبراير سنة 1923 . وكان ثمرته كتاب « الفقه على المذاهب الأربعة » الذي ينسب خطأً للشيخ عبد الرحمان الجزيري . وقد أضاف إليه بعض علماء الإمامية مذهبه ليكون جامعاً للمذاهب الخمسة .
الثاني : الاتّجاه في التشريع والفتوى على المذاهب الأربعة ، بل إنّ الشيخ المراغي على الرغم من كونه حنفي المذهب ، كان يأخذ من كلّ المذاهب ما يناسب العصر والمصلحة ، ورأى خطورة الأخذ بأقوال المذاهب الأربعة دون سواهم ، وكتب عام 1927 ( بحوثاً في التشريع الإسلامي وأسانيد قانون الزواج والطلاق ) دعا فيها إلى ( اختيار ما صحّ دليله ، وما قام البرهان على أنّ فيه مصلحة للناس من أقوال أئمّة الهدى وفقهاء الإسلام ) ، وقد يقضي ذلك على تلك الفكرة الخاطئة فكرة وجوب تقليد المذاهب الأربعة دون سواها ، سواء أوافقت مذاهبهم مصالح المجتمع أم خالفتها ، ثمّ قال : « والخلاصة : أنّه يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة متى صحّ النقل عنهم وفهم مرادهم » ، بل إنّه يشير إلى غير مذاهب أهل السنّة بقوله : « وفي العالم الإسلامي الآن مذاهب منتشرة يدين بها ملايين المسلمين ، في اليمن وفارس وبلاد الهند ، ولهم كتب مطبوعة وغير مطبوعة ، ولهم متون وشروح وحواشي ، مثل التي عندنا سواء بسواء » . ( الإمامان البروجردي وشلتوت رائدا التقريب : 194 - 195 و 217 - 220 ) .