بمعنى ( صير ) بأن يكون متعديا إلى مفعول واحد ، إن الخلق فيه معنى التقدير ، والجعل فيه معنى التصيير ولذلك عبر تعالى عن إحداث النور والظلم بالجعل تنبيها على أنهما عرضان لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية ، وجعل الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها أو لأن المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى والهدى واحد والضلال كثير ، وتقديمها لتقدم الأعدام على الملكات ( أو ) لأن الأصل في الممكنات الظلمة والضلال ، فإن حصل نور الوجود أو نور الهداية فمن الله تعالى كما قال تعالى :
يا بن آدم كلكم ضال إلا من هديت وكلكم عائل إلا من أغنيت ويدل ظاهرا على أن العدم كالوجود مقدوره تعالى « ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » عطف على قوله ( الحمد لله ) على معنى أن الله حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ، ثمَّ الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ويشركون بربهم تنبيها على أنه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكونهم وتعيشهم فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر ( أو ) عطف على قوله ( خلق ) على معنى أنه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثمَّ هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه ومعنى ( ثمَّ ) استبعاد عدولهم بعد هذا البيان .
فلما ذكر استبعاد الشرك عن الكفار أو الميل عنه تعالى إلى غيره بعد هذه النعم العظيمة نفي عن نفسه لإظهار نعمه تعالى فقال « لا نشرك ( إلى قوله ) وليا » أي ناصرا أو محبا أو إلها يتولى أمورنا « والحمد ( إلى قوله ) وما في الأرض » خلقا ونعمة فله الحمد في الدنيا بكمال قدرته وعلى تمام نعمته « وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ » لأن ما في الآخرة أيضا كذلك وتقديم الصلة للاختصاص فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة « وَهُوَ الْحَكِيمُ » الذي أحكم أمر الدارين « الْخَبِيرُ » ببواطن ( الأشياء « يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ » كالغيث ينفذ في موضع وينبع في موضع
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — صفحة 760
مساهمون: محمد تقي المجلسي ( الأول )
ص٧٦٠