غيرها ؟ فقلت للقائل : ويحك ! أعزب فعند الصباح يحمد القوم السرى ( 1 ) .
أما منهاج أمير المؤمنين ( ع ) الذي سلكه في أهل بيته وقرابته ، فلم يكن بعيدا عن
منهاجه مع نفسه ، فقد كان ( ع ) حريصا على معاملة ذويه في مسألة الحقوق ، كما لو كانوا
من عامة الناس ، فلا يفضلهم بعطاء ، ولا يميزهم بحق .
وروى هارون بن سعيد أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قد قال له : يا أمير المؤمنين ،
لو أمرت لي بمعونة أو نفقة ، فوالله مالي نفقة إلا أن أبيع دابتي ، فقال الإمام
( ع ) : لا والله ما أجد لك شيئا ، إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك ( 2 ) .
وقد جاءه عقيل أخوه وكان ضريرا يوما يطلب صاعا من القمح من بيت مال المسلمين :
زيادة على حقه ، وظل يكرر طلبه على علي ( ع ) ، فما كان من الإمام إلا وأحمى له
حديدة على النار وأدناها منه ، ففزع منها عقيل ، ثم وعظه : يا عقيل أتئن من
حديدة أحماها إنسانها لمدعبة ، وتجرني إلى نار سجرها جبارها من غضبه ، أتئن من
الأذى ولا أئن من لظى ؟ ( 3 ) .
السياسة الإسلامية الأصلية للإمام علي ( ع ) : .
لقد صح ما توقعه الإمام علي ( ع ) من أن تطبيقه للعدالة الإسلامية ، سيثير غضب
رجالات قريش الذين دأبوا على العيش برفاهية : مما ينهبونه من أفواه الجياع
والمحرومين ، وكبر عليهم أن ينهج الإمام ( ع ) نهج المساواة في الحقوق ، فلا يميز بين
حر وعبد ، وبين أسود وأبيض ، وبين عربي وأعجمي ، كان الجميع أمامه سواسية كأسنان
المشط .
فقد أنكر الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله على الإمام ( ع ) سياسته تلك ،
واعتبراها مخالفة للنهج الذي ألفه الناس ، فقال لهما الإمام ( ع ) : ما الذي كرهتما
من أمري حتى رأيتما خلافي ؟ قالا : إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا ، وسويت
بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله علينا بأسيافنا ورماحنا ، وأرجفنا عليه
بخيلنا ورجلنا ، وظهرت عليه دعوتنا ، وأخذناه قسرا قهرا : ممن لا يرى الإسلام إلا
كرها ( 4 ) .
فقال الإمام ( ع ) لهما : لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا ، ألا تخبراني أي شئ
كان لكما فيه حق دفعتكما عنه ؟ . . . إلى أن قال ( ع ) : رحم الله رجلا رأى حقا فأعان
عليه ، أو رأى جورا فرده ، وكان عونا بالحق على صاحبه ( 5 ) .
هامش
1 - تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي ص 117 .
2 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2 ص 200 .
3 - البحار للمجلسي ج 40 باب 98 ص 347 ، نقلا عن أمالي الصدوق .
4 - علي بن أبي طالب / نظرة عصرية جديدة / د . محمد أحمد خلق الله ص 32 .
5 - نهج البلاغة رقم النص 205 .