الحسن هلم نبايعك ، فقال علي : لا حاجة لي في أمركم ، أنا معكم ، فمن اخترتم رضيت
به : فاختاروا ، فقالوا : والله ما نختار غيرك ، فاختلفوا إليه بعدما قتل عثمان ،
وأكثروا القول : بأنه لا يصلح الناس إلا بأمره ( 1 ) .
ولما أكثروا اللح عليه ، ورأى أن المسلمين لا ولي لهم : قبل بالبيعة ، وقال :
ففي المسجد ، فإن بيعتي لا تكون خفية ، ولا تكون إلا عن رضى المسلمين . فصعد علي
المنبر ، وكان أول من صعد إليه وبايعه طلحة ، وكانت إصبع طلحة شلاء ، فتشاءم
علي ( 2 ) .
وحين أذاع بيانه المتضمن لشروطه في قبول الخلافة ، قال فيه : واعلموا أني إن
أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ( 3 ) .
وسارعت الأمة مذعنة لشروطه ، ومدت إليه يد البيعة على الطاعة ، وقد كانت من أولى
مهامه ( ع ) أن يزيل صور الانحراف المختلفة التي طرأت على الحياة الإسلامية ، وأن
يعود بالأمة إلى أصالة المنهج الإلهي ، وقد انصب منهاج حكومته على مواجهة مشاكل
الرعية
فقد حدد الإمام علي ( ع ) مواصفات ولاة الأمر وموظفي الدولة ، الذين يرشحهم الإسلام
لإدارة شؤون الأمة الإسلامية ببيان جاء فيه : ( انه لا ينبغي أن يكون الوالي على
الفروج والدماء والمغانم والأحكام ، وإمامة المسلمين : البخيل ، فتكون في أموالهم
نهمته ، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا الحائف للدول
فيتخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ويقف بها دون المقاطع ،
ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة ) ( 4 ) .
ومن أجل ذلك رأينا أمير المؤمنين ( ع ) يبادر فورا إلى عزل الولاة والعمال ، الذين
كانوا سببا في ظلم الناس وإشاعة الباطل ، ويعود بالأمة إلى قاعدة المساواة في توزيع
العطاء ، كما كان رسول الله ( ص ) يفعل ( 5 ) .
وكما عمد الإمام علي ( ع ) إلى اصلاح الوضع السياسي والإداري للدولة الاسلامية كذلك
فعل بالنسبة للوضع الاقتصادي ، فقد بادر فور تسلمه زمام الأمور مباشرة إلى إلغاء
طريقة العطاء التي كانت تفضل العرب على العجم .
فألغى الإمام ( ع ) كل أشكال التمييز في توزيع المال على الناس ، مؤكدا أن التقوى ،
والسابقة في الإسلام والجهاد ، والصحبة للرسول ( ص ) : أمور لا تمنح أصحابها مراتب أو
مميزات في الدنيا ، وإنما لتلك المزايا ثوابها عند الله في الآخرة ، وإن الناس
سواسية في الحقوق المالية ،
هامش
1 - راجع أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 70 .
2 - تاريخ الطبري ج 5 ص 153 ، والمستدرك للحاكم ، ج 3 ص 14 .
3 - نهج البلاغة خ رقم 92 .
4 - نهج البلاغة خ 131 .
5 - محمد عبده / شرح نهج البلاغة ج 8 ص 269 .