قتيلا .
أما الإمام السجاد ( ع ) فقد قال له عباد البصري ، وهو في طريق مكة : تركت الجهاد
وصعوبته ، وأقبلت على الحج ولينه و ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم ) ( 1 ) .
فأجابه الإمام السجاد ( ع ) : إقرأ ما بعدها : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون
الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر
المؤمنين ) ( 2 ) ، ثم قال ( ع ) : إذا ظهر هؤلاء - يعني المؤمنين ، حسب مواصفاتهم في
الآية الكريمة - لم نؤثر على الجهاد شيئا ( 3 ) .
الإمام السجاد ( ع ) يستكمل الدور الرسالي الذي بدأه الحسين ( ع ) : .
لحكمة إلهية بالغة ، بقي الإمام السجاد ( ع ) حيا بعد المجزرة الأموية الدموية التي حلت
بآل محمد ( ص ) في كربلاء ، فقد سأله المنهال : كيف أمسيت يا بن رسول الله ؟ قال ( ع ) :
أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ( 4 ) .
بعد أحداث كربلاء الدامية بدأ السجاد ( ع ) يقود الحركة الاصلاحية وفقا لمقتضيات
المصلحة الاسلامية العليا ، فقد تبنى الإمام ( ع ) وكرائم أهل البيت ( ع ) كزينب وأم
كلثوم وغيرهما سياسة إسقاط الأقنعة التي غطى الأمويون وجوه سياساتهم البشعة
الخطيرة بها ، وتحميل الأمة كذلك مسؤوليتها التاريخية أمام الله والرسالة ، فقد كان
دور أسارى آل محمد ( ص ) منصبا على إلفات نظر الناس إلى جسامة الخطر الذي أحاق بهم بعد
شهادة الإمام الحسين ( ع ) ، وإلى حجم الجرم الذي ارتكبه بنو أمية بحق رسالة الله ،
وهذا ما نلمسه في الخطب كافة التي ألقيت بين جموع الناس في الكوفة والشام ، ومن
بينها الخطبة السجادية في جموع أهل الكوفة عندما وقفوا ينظرون إلى ركب آل محمد ( ص ) ،
مقيدين في الأغلال ، في طريقهم إلى الشام : أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم
يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتهكت حرمته ، وسلبت
نعمته ، وانتهب ماله ، وسبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشط الفرات ، من غير ذحل ولا
تراث ، أنا ابن من قتل صبرا ، وكفى بذلك فخرا .
أيها الناس : ناشدتكم الله ، هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ، وأعطيتموه من
أنفسكم العهود والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه ؟ فتبا لكم لما قدمتم لأنفسكم ، وسوأة
لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله ( ص ) ، إذ يقول لكم قتلتم عترتي ، وانتهكتم
حرمتي ، فلستم من أمتي ( 5 ) ، بيد أن مضامين الخطب وطبيعة الأحاديث قد تغيرت في
الشام ، فهي وإن
هامش
1 - التوبة : الآية 111 .
2 - التوبة : الآية 112 .
3 - المناقب لابن شهرآشوب ج 4 ص 159 ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ج 2 ص 141 باختلاف
يسير في الألفاظ .
4 - الاحتجاج للطبري ج 2 ، ومقتل الحسين للمقرم ص 360 .
5 - مقتل الحسين للمقرم ص 316 .