كانت تهدف إلى التوعية العامة بأهداف الحسين ( ع ) - كسابقتها - وإظهار مظلومية آل
الرسول ( ص ) ، وتكثيف الولاء لهم : إلا أن الأفكار التي أذيعت في الكوفة كانت منصبة
على مخاطبة وجدان الناس وضمائرهم ، وتحميلهم المسؤولية كاملة .
ومن أجل ذلك وقف الإمام السجاد ( ع ) في دار الحكم الأموي ، وبحضور يزيد بن معاوية
وجميع أقطاب حكمه من رؤوس الظلال ، وألقى بيانه الخالد معريا سياسة الأمويين
الضالة ، ومبينا من هم السبايا ، وأي مقام رفيع يمثلون في أمة الاسلام وقد جاء
في خطبته : .
. . . أيها الناس : أعطينا ستا وفضلنا بسبع ، أعطينا العلم ، والحلم
، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي
المختار ، والصديق ، والطيار ، وأسد الله وأسد رسوله ، ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة
الزهراء ، وسبطا هذه الأمة ، . . .
أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء ،
أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، وخير من طاف وسعى ، وحج ولبى ، أنا ابن من حمل على
البراق وبلغ سدرة المنتهى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة
السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ،
أنا ابن خديجة الكبرى ، أنا ابن المرمل بالدماء ، أنا ابن ذبيح كربلاء ( 1 ) .
وحين بلغ الإمام السجاد ( ع ) هذه الفقرة من خطابه ، استولى الذعر على الحاضرين وضج
كثير منهم بالبكاء ، بعد أن فوجئوا بالحقيقة : مما اضطر يزيد أن يأمر المؤذن أن
يؤذن للصلاة ، ليقطع على الامام خطبته ، وخشية انقلاب الأمور بعد كشف الحقيقة عن
طبيعة حكم آل أبي سفيان ، أما عقائل آل محمد ( ص ) فقد مرغن أنوف بني أمية في الوحل ،
وأسقطن كبرياءهم وجبروتهم أمام مرأى أهل الشام ، وستجد ذلك في خطبة عقيلة البيت
العلوي زينب الكبرى ( ع ) التي ألقتها في مجلس الطاغية يزيد في دمشق ، بعد انتهائنا من
موضوع الإمام السجاد ( ع ) .
وبعد مغادرة الإمام السجاد ( ع ) وأهل البيت الشام إلى العراق ، ومن ثم إلى المدينة
المنورة ، اختط الامام منهجا جديدا لحركة الاسلام الاصلاحية ، وشمر عن ساعدي الجد
لبدء ثورة روحية وثقافية ، وقد ساهمت الظروف التي تلت استشهاد الحسين ( ع ) وأهل
بيته وصحبه الكرام في إنجاح خططه مبكرا ، ويمكن حصر تلك الظروف تحت عاملين
توافرا معا ، ليكونا أرضية خصبة لنشر علوم أهل البيت ( ع ) ، وإيضاح حقيقة الحكام ،
وسبل التصدي لهم : .
فالعامل الأول : الاضطراب السياسي والاجتماعي ، الذي تفجر في أكثر مراكز العالم
الاسلامي أهمية وتأثير ، بعد مأساة الطف مباشرة ، وأهم وقائعه : .
1 ) ثورة أهل المدينة عام 63 ه بقيادة عبد الله بن حنظلة الأنصاري ، التي قامت بعد
استشهاد الإمام الحسين ( ع ) مباشرة ، حيث كانت تعبيرا عن رفض الأمة العملي للحكم
هامش
1 - الاحتجاج للطبري ج 2 ص 49 ، ومقتل الحسين للمقرم ص 352 .