أمّا أنّي فقد أنذرتك " قالت : نعم ، أذكر هذا ، قالت : وأُذكّرك أيضاً ، كنت أنا وأنت مع
النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في سفر له ، وكان عليّ ( عليه السلام ) يتعاهد نعل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فيخصفها ويتعاهد
أثوابه فيغسلها ، فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها ، وبعد في ظلّ سمرة ، وجاء
أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فدخلا ثمّ قالا له : إنّا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو
أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً ؟ فقال لهما : " أمّا أنّي أرى مكانه
ولو فعلت لتفرّقتم عنه كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون " فسكتا ثمّ خرجا ،
فقلت للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - وكنت أجرأ عليه منّا - : من كنت مستخلفاً عليهم ؟ فقال :
خاصف النعل ، فقلت : ما أرى أحداً إلاّ عليّاً ، فقال : هو ذاك ، قالت : نعم أذكر ذلك ،
قالت : فأيّ خروج تخرجين بعد هذا ؟ فقالت : إنّما أخرج للإصلاح بين الأناس ،
فقالت : أنت ورأيك . ( 1 )
ولم ينحصر مخالفتها في نصّ الكتاب بقوله تعالى : ( وقرن في بيوتكنّ ولا
تبرّجن تبرّج الجاهليّة الأُولى ) بل يدلّ عليها أيضاً قوله تعالى : ( يا نساء
النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) من يأت منكنّ بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك
على الله يسيراً ) ولا فاحشة أبين من إقامتها حرب الجمل وقتلها آلافاً من
المسلمين وتسبّب الجمل لصفّين والنهروان ، ومع ذلك يكون استحقاقها للنار
عندهم عسيراً ، فيقول مجاهد ، كما في البلاذري - وذكر عنده مسير عائشة إلى
البصرة لحرب الجمل - : ليس ذلك بمذهب فضلها البارع ولا مبطل ما تقدّم لها
وتأخّر من الإحسان . . . الخ ( 2 ) .
فهل قوله إلاّ ردّ لقوله عزّ وجلّ !
ومن المضحك ! أنّ عائشة كانت معترفة بجناياتها في مدّة عمرها حتّى
استحيت أن يدفنوها مع النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويقول مجاهد : لها إحسان متقدّم ومتأخّر ،
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 6 / 217 .
( 2 ) أنساب الأشراف : 1 / 417 .