وقال أيضاً في قوله تعالى بعد تلك الآية ( وضرب الله مثلا للّذين آمنوا امرأة
فرعون - إلى قوله تعالى - ومريم ابنة عمران . . . الآية ) : أشار تعالى إلى أنّ من
حقّهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المرأتين ، وألاّ تتّكلا على
أنّهما زوجا النبيّ فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما ، والتعريض بحفصة أرجح لأنّ امرأة
لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأسرار التنزيل ورموزه في
كلّ باب بالغة من اللطف والخفاء حدّاً يدقّ عن تفطّن العالم ويزلّ عن تبصّره ( 1 ) .
وأقول : كبراه صحيحة في أسرار التنزيل ورموزه ، إلاّ أنّ صغراه في كون
قصّتهما من الأسرار والرموز ليست بصحيحة ، فإنّ القرآن نادى به جهاراً وأفصح
وصرّح لكلّ من ألقى السمع وهو شهيد ، إلاّ أنّ إخواننا مع هذه وصفوها بالصدّيقة ،
كما وصفوا مريم - ومنهم الجزري - إنشاءً ونقلا عن مسروق .
ومن المضحك ! أنّ الله تعالى يضرب لها مثل امرأة نوح وامرأة لوط وهم
يجعلونها أفضل من مريم في ما وضع لهم معاوية ، ففي البلاذري عن أبي موسى
قال النبىّ : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلاّ آسية امرأة فرعون
ومريم ابنة عمران ، وأنّ فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ( 2 ) .
ومن المُغرب ! أنّ الله تعالى يقول لها : ( وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه
وجبريل . . . الآية ) وهم نقلوا عن عائشة نفسها قالت : قال لي النبيّ يوماً : يا عائشة
أنّ جبرئيل يقرأ عليك السلام .
ونقلوا عنها أيضاً قالت : ما تزوّجني النبيّ حتّى أتاه جبرئيل بصورتي .
ومن تظاهرهما على النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما رواه البلاذري عن محمّد بن جبير بن
مطعم قال : خرجت حفصة من بيتها ، فبعث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إلى جاريته فجاءت فدخلت
عليه حفصة وهي معه ، فقالت للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أفي بيتي وعلى فراشي ؟ فقال
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أُسكتي ، فلك الله لا أقربها أبداً ، ولا تذكري هذا لأحد أبداً ، فأخبرت
هامش
( 1 ) الكشّاف : 4 / 571 .
( 2 ) أنساب الأشراف : 1 / 413 .