ولا لأهل مصره إلاّ ذكرها ثمّ عرض عليه الكتاب ، فقال : ما صنعت شيئاً ! فقال :
حاجة بقيت ، أتولّى أخذ البيعة لابن الخليفة بالعراق ، قال : افعل ، فما زلت لذلك
أهلا . فلمّا قدم العراق قام بأمر البيعة ليزيد بمعونة من المغيرة بن شعبة وهو الوالي
بالعراق يومئذ ( 1 ) " شيء تفرّد بنقله بلا ذكر مستند ، مع أنّ جبرانه تفريطه أخيراً
يجعله صالحاً .
قلت : الصواب في الجواب هو الأخير ، لأنّه كان عنده أسانيد لم تصل إلينا ،
وكثير من الكتب الّتي يصرّح بالنقل منها وأنّها مستنده لم نقف عليها ، وقد عدّ
المسعودي في أوّل مروجه ( 2 ) كتباً من التاريخ لم نقف ممّا قال إلاّ على واحد من
مائة ، وإنّما يصحّ لنا ردّه وردّ غيره كائناً من كان إذا قام برهان على خلاف قوله .
فمرّ في " مالك بن ضمرة " أنّه قال : روى محمّد بن موسى العنزي أنّ مالكاً - وكان
ممّن استبطن من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) علماً كثيراً - كان يقول أيّام بني أُميّة : " اللّهمّ
لا تجعلني أشقى الثلاثة " فيقال له ومن الثلاثة ؟ فيقول : " رجل يرمى من فوق
طمار ، ورجل تقطع يداه ورجلاه ولسانه ويصلب ، ورجل يموت على فراشه "
فكان من الناس من يهزأ به ويقول : هذا من أكاذيب أبي تراب . قال محمّد بن
موسى : والّذي رمي به من طمار هاني ( 3 ) ، فإنّ تفسير " من يرمى من طمار " بهاني
وَهْم ، وإنّما المراد به عبد الله بن بقطر أو قيس بن مُسهر الصيداوي - المتقدّمان -
فمرّ أنّهما أُلقيا من فوق القصر ومن طمار القصر ، أو مسلم الّذي أُلقي بجسده من
فوق القصر ، وأمّا هاني فلم يلق به من قصر ، بل قتل صبراً .
ففي الطبري : قام محمّد بن الأشعث إلى عبيد الله فكلّمه في هاني وقال : إنّك قد
عرفت منزلة هاني في المصر وبيته في العشيرة ، وقد علم قومه أنّي وصاحبه سقناه
إليك فأنشدك الله لمّا وهبته لي ، فأنّي أكره عداوة قومه ، هم أعزّ أهل المصر وعدد
أهل اليمن . فوعده أن يفعل ، فلمّا كان من أمر مسلم ما كان بداله فيه وأبى أن يفي له
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : 18 / 407 .
( 2 ) مروج الذهب : 1 / 21 .
( 3 ) مرّ في ج 8 ، الرقم 6218 .