بما قال ، فأمر بهاني - حين قتل مسلم - أن يخرج إلى السوق ويضرب عنقه ،
فأُخرج به حتّى انتهى إلى مكان من السوق - كان يباع فيه الغنم - وهو مكتوف ،
فجعل يقول : وامذحجاه ! وأين منّي مذحج ؟ فلمّا رأى أن أحداً لا ينصره جذب
يده فنزعها من الكتاف ، ثمّ قال : أما من عصاً أو سكّين أو حجر أو عظم يجاحش
به رجل عن نفسه ، ووثبوا إليه فشدّوه وثاقاً ، ثمّ قيل له : أُمدد عنقك ، فقال : ما أنا بها
مجدّ سخيّ ، وما أنا بمعينكم على نفسي ، فضربه مولى لعبيد الله - تركي يقال له :
رشيد - بالسيف ، فلم يصنع سيفه شيئاً ، فقال هاني : " إلى الله المعاد ، اللّهمّ إلى
رحمتك ورضوانك " ثمّ ضربه أُخرى فقتله ، فبصر به عبد الرحمن بن الحصين
المرادي بخازر وهو مع عبيد الله ، فقال الناس : هذا قاتل هاني ، فقال : قتلني الله إن
لم أقتله أو أُقتل دونه ، فحمل عليه بالرمح فقتله ( 1 ) .
ولعلّ محمّد بن موسى العنزي توهّمه من قول الشاعر :
إذا كنت لا تدرين من الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشّم السيف وجهه * وآخر يهوي من طمار قتيل
فظنّ أنّ المراد بقوله : " وآخر يهوي من طمار " هاني ، مع أنّ المراد به مسلم ،
وإنّما المراد بهاني قوله : " إلى بطل قد هشّم السيف وجهه " فهشّم عبيد الله وجهه
بقضيب - وهو السيف الدقيق الّذي يأخذه الأُمراء بأيديهم - كما مرّ ؛ ومن تلك
الأبيات في خصوص هاني وحضّ قومه على طلب ثأره من أسماء بن خارجة :
فتىً هو أحيى من فتاه حيية * وأقطع من ذي شفرتين صقيل
أيركب " أسماء " الهماليج آمناً * وقد طلبته مذحج بذحول
تطيف حواليه مراد وكلّهم * على رِقبة من سائل ومسول
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغايا أُرضيت بقليل
قال ، قال : وأمّا منعه من قتل ابن زياد في داره فالأخبار فيه مختلفة ، وفي
بعضها : أنّه هو الّذي أشار بقتله وتمارض لابن زياد حتّى يأتيه عائداً فيقتله مسلم .
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 5 / 378 .