الأشياء كما هي ؟ فإن قال : لا فقد كفر ، وإن قال نعم يقال له : أفأراد أن تكون
كما علم أو أراد أن تكون بخلاف ما علم ؟ فإن قال : أراد أن تكون كما علم فقد أقرّ
أنّه أراد من المؤمن الإيمان ومن الكافر الكفر ، وإن قال : أراد أن تكون بخلاف
ما علم فقد جعل ربّه متمنّياً متحسّراً ، لأنّ من أراد أن يكون ما علم أنّه لا يكون
أولا يكون ما علم أنّه يكون ، فإنّه متمنٍّ متحسّر ، ومن جعل ربّه متمنّياً متحسّراً
فهو كافر ( 1 ) .
يقول مصنّف الكتاب : علمه تعالى بالأشياء ليس بعلّة لها نظير علم المتفرّسين
بالوقائع قبل وقوعها وعلم الطبيب بحدوث الأمراض ووقوع الموت لأشخاص ،
ولم يرد تعالى أن يطيعه الناس بإكراه نظير إطاعة السوقة للسلطان المقتدر ،
ولا يعصى بغلبة نظير معصية العبد لمولى عاجز .
وعن ابن أبي ليلى ( 2 ) أنّه كان يتمثّل بهذه الأبيات :
إلى شنآن المرجئين ورأيهم * عمر بن ذر ، وابن قيس الماصر
وعتيبة الدباب لا يرضى به * وأبا حنيفة شيخ سوء كافر
وعن شريك بن عبد الله قاضي الكوفة : أنّ أبا حنيفة استتيب من الزندقة مرّتين .
وعن أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال لأصحابه : ما تقولون في مسألة
اتّفق عليها مالك وأصحابه ، والشافعي وأصحابه ، والأوزاعي وأصحابه ، والحسن
ابن صالح وأصحابه ، وسفيان الثوري وأصحابه ، وأحمد بن حنبل وأصحابه ؟
فقالوا : لا تكون مسألة أصحّ من هذا ، فقال : هؤلاء كلّهم اتّفقوا على تضليل
أبي حنيفة .
وعن أبي بكر الختلي قال : أملى علينا أبو العبّاس الآبار ذكر القوم الّذين ردّوا
على أبي حنيفة : أيّوب السختياني ، وجرير بن حازم ، وهمام بن يحيى ، وحمّاد بن
سلمة ، وحمّاد بن زيد ، وأبو عوانة ، وعبد الوارث ، وسوار العنبري القاضي ، ويزيد
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد : 13 / 373 - 383 .
( 2 ) هذه وما يأتي من الحكايات من تاريخ بغداد أيضاً .