لا " أستشيره " بالشين ؛ ونقله في باب المشورة أيضاً غلط ، وإنّما المراد : أنّ معاوية
من دهائه يحرّك ما في نفس من كان واجداً عليه فيفرغ قلبه ، ويحلم عنه فيجعله
بذلك صديقاً له .
وفي العقد : قال معاوية : لو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ، قيل له :
وكيف ذلك ؟ قال : كنت إذا مدّوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها ( 1 ) .
وفي الجهشياري : مرّ معاوية على سعد بن أبي وقّاص في طريق مكّة بعد
صلاة الصبح ومعه أهل الشام ، فوقف وسلّم عليه فلم يردّ عليه سعد السلام ، فقال
معاوية لأهل الشام : أتدرون من هذا ؟ هذا سعد صاحب النبيّ ، لا يتكلّم حتّى تطلع
الشمس ، فبلغ سعداً كلامه ، فقال : ما كان ذلك والله منّي على ما قال ، ولكن كرهت
أن أُكلّمه ( 2 ) .
وروى سنن أبي داود : أنّ معاوية خرج على ابن الزبير وابن عامر ، فقام ابن
عامر وجلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : اجلس ، فإنّي سمعت
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : من أحبّ أن يمثّل له الرجال قياماً فليتبوّأ مقعده من النار ( 3 ) .
قلت : عقد أبو داود السفيه باباً لهذا الخبر الّذي افتعله معاوية سياسة ليبطل به
عدم اكثراث ابن الزبير به تعمّداً ، كما افتعل لعدم اكتراث سعد به حتّى ما أجاب
سلامه بأنّه لا يتكلّم إلى الطلوع ، فكذّبه سعد . وكيف لم يتفطّن أبو داود بكون الخبر
من وضع معاوية ؟ وقد روى قبله في الباب 1863 : أنّ أهل قريظة لمّا نزلوا على
حكم سعد بن معاذ أرسل إليه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فجاء على حمار أقمر ، فقال للأنصار :
قوموا إلى سيّدكم ( 4 ) .
ومن الغريب ! أنّهم وضعوا خبراً لتصحيح خبر معاوية ، فروى السنن بعد ذاك
الخبر عن أبي أُمامة قال : خرج علينا النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) متوكّئاً على عصاً ، فقمنا إليه ،
هامش
( 1 ) العقد الفريد : 4 / 333 .
( 2 ) الوزراء والكتّاب : 43 .
( 3 ) سنن أبي داود : 4 / 358 .
( 4 ) سنن أبي داود : 4 / 355 .